الصفحة الرئيسية الأخبار السيرة الذاتية معالم المدينة
 
واجب تدريب على التدبر   مقرر قراءة في مصادر التفسير   الثبيتي ... وإيمانيات الفجر ..!   الاستنباط من القرآن الكريم   الدكتور فهد الوهبي يحصل على الشهادة الاحترافية في التحكيم من مركز التحكيم التجاري   تعيين الدكتور فهد الوهبي عضواً في اللجنة العلمية لمركز بحوث ودراسات المدينة   الدكتور فهد الوهبي ضيف حلقة نقاش بعنوان: (المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير)   الدكتور فهد الوهبي ضيف لقاء أهل التفسير بعنوان: (حقول الدراسات القرآنية)   تحميل كتاب (المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير)   الأحساء: الدكتور فهد يلقي دورة بعنوان: (اختيار الموضوع وصياغة العنوان في حقول الدراسات القرآنية)  
الدكتور فهد الوهبي يحصل على الشهادة الاحترافية في التحكيم من مركز التحكيم التجاري
قريباً برنامج (حديث القرآن) مع الدكتور فهد الوهبي
داخل الحرم
على جبل الرماة أثناء تصوير لقناة الشارقة
1,351,053
  1. حوارات
  2. أجوبة لقاء الأستاذ الدكتور عبد العزيز القارئ (1)

أجوبة لقاء الأستاذ الدكتور عبد العزيز القارئ (1)

أضيف بتاريخ : السبت, 11 يناير 2014  |   عدد المشاهدات : 2427

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، أما بعد :
فاستمراراً لسلسلة اللقاءات العلمية النوعية في شبكة التفسير والدراسات القرآنية ، التي سبق أن بدأنا بها ، ونشرنا منها ستة لقاءات ، نلتقي هذه المرة مع أحد أساتذة الدراسات القرآنية المعاصرين الذين لهم أثر بارز في الدراسات القرآنية، ولهم جهود مشكورة في طباعة المصحف وتولي أمور إدارية علمية تختص بالقرآن وعلومه . وهو فضيلة الشيخ الجليل 
الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن عبدالفتاح القارئ حفظه الله
 
 
وقد قامت هئية الإشراف على الملتقى بصياغة الأسئلة بدقة ، محاولة استقصاء وطرح القضايا العلمية الدقيقة التي تهم الباحثين وللضيف الكريم عناية بها ، ونرجو أن يجد الباحثون والقراء الكرام بغيتهم في هذا اللقاء العلمي الماتع . 
 
محاور اللقاء :
- واقع دراسة القراءات القرآنية خصوصاً ، والدراسات القرآنية عموماً .
- لجان طباعة المصاحف المعاصرة .
- تجربة مجمع الملك فهد في طباعة مصحف المدينة النبوية .
- نصائح للمتخصصين في الدراسات القرآنية .
- واقع مراكز البحوث في الدراسات القرآنية في العالم الإسلامي .
- وصايا وأمنيات خاصة .
 
ترجمة الأستاذ الدكتور عبد العزيز القارئ : 
للشيخ وفقه الله كتاب في سيرته الذاتية " السيرة الذاتية " ننقل منه بنصه ملخصاً:
" أبو عاصم وأبو مجاهد عبد العزيز بن عبد الفتاح بن عبد الرحيم بن الملاَّ محمد عظيم القارئ.
ولدت بمكة المكرمة ... عام خمس وستين وثلاثمائة وألف من هجرة خير البرية صلى الله عليه وسلم.
الدراسة :
درست القرآن الكريم وجودته وحفظته على والدي الشيخ عبد الفتاح القارئ ، وأجازني في رواية حفص، ثم تلقيت قراءة نافع بروايتي ورش وقالون على تلميذ والدي الشيخ محمد الأمين أيدا الشنقيطي وبمضمن " الدرر اللوامع " لابن بري الغرناطي ، وأجازني في قراءة نافع ...
بعض الشيوخ الذين درست عليهم :
أهمهم وأكثرهم تأثيراً في نفسي والدي الشيخ المقرئ عبد الفتاح بن عبد الرحيم القارئ ...
ثم سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله...
ثم العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي رحمه الله مؤلف أضواء البيان... درست عليه أبواب القياس من روضة الناظر ... وحضرت دروسه في التفسير التي يلقيها في شهر رمضان بالمسجد النبوي .
ثم العلامة الشيخ محمد المختار المزيد الشنقيطي رحمه الله درست عليه التفسير من الجلالين ورائية الشاطبي في رسم المصحف، وقطر الندى لابن هشام في النحو.
والشيخ المقرئ محمد الأمين أيدا الشنقيطي رحمه الله درست عليه منظومة ابن بري الغرناطي الأندلسي المتوفى سنة (730هـ) وهي الدرر اللوامع في نظم مقرأ الإمام نافع ... 
ودرست التوحيد من الواسطية على الشيخ يوسف الملاحي بالرياض، ثم من العقيدة الطحاوية على الشيخ عبد المحسن العباد بالمدينة.
ودرست الحديث من سبل السلام على الشيخ المحدث حماد بن محمد الأنصاري، وعلى المحدث المسند الشيخ عبد الغفار الهندي.
ودرست على الشيخ عبد القادر شيبة الحمد التفسير من فتح القدير للشوكاني...".أ.هـ.
أهم وظائف التدريس وعضوية هيئة التدريس والمناصب الإدارية:
 
- التدريس بالمعهد التابع للجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية من عام 1389هـ إلى عام 1393هـ. 
- التدريس بكلية القرآن بالجامعة عام 1394 هـ قبل ابتعاثه للأزهر.
- عين أستاذاً مساعداً عام 1397هـ .
- التدريس بكلية القرآن من 1400هـ بعد الابتعاث مع قيامه بوظيفة وكيل الكلية.
- عين عميداً لها من عام 1401هـ إلى 1408هـ .
- رقي إلى أستاذ مشارك عام 1405هـ .
- التدريس بقسم الدراسات العليا في شعبة التفسير وعلوم القرآن من عام 1408 هـ إلى عام 1415هـ تولى خلالها رئاسة الشعبة لمدة عامين.
- رقي إلى أستاذ عام 1414هـ.
- أحيل للتقاعد في 11 / 2 / 1416هـ.
اللجان العلمية :
شارك في كثير من المجالس العلمية والمؤتمرات وتولى رئاسة لجنة مراجعة المصحف الذي بدئ بطباعته بمجمع الملك فهد عام 1405هـ.
كما عين خطيباً لمسجد قباء من عام 1405هـ إلى 1414هـ.
أهم المؤلفات والبحوث والدواوين:
- حديث الأحرف السبعة : دراسة لإسناده ومتنه واختلاف العلماء في معناه وصلته بالقراءات القرآنية .
- سنن القراء والمجودين .
- تفسير سورة العصر .
- رحلة المخطوطات من طيبة إلى طنجة ( نظم ).
- حرم المدينة النبوية .
- لغات العرب في القرآن ( بحث نشر في مجلة الجامعة الإسلامية عام 1391هـ ).
- شجون غريب ( ديوان شعر ).
الأسانيد :
- إسناد في رواية حفص من الشيخ عبد الفتاح القارئ رحمه الله ( والد الشيخ ).
- إسناد في قراءة نافع من الشيخ محمد الأمين أيدا الشنقيطي رحمه الله.
- إجازة في الحديث المسلسل بالأولية، وفي ثلاثيات البخاري، من الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله .
- إجازة في جميع مرويات الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله من الكتب الستة.
 
 
 
 
نص اللقاء مع الأستاذ الدكتور عبد العزيز القارئ
 
 
1- ـ شبكة التفسير : ما رأيكم في القراءات هل يُوصى بتعلمها وحفظها كل قادر على ذلك من طلاب العلم وإن زاحمت بقية العلوم ، أم يقتصر على أخذها طائفة من الناس ممن لديهم الرغبة في ذلك .
 
د. عبد العزيز القارئ : نعم: نُوصِي بذلك كلَّ من استطاع تعلُّمَهَا وتَلقِّيَها من مُسنِدٍ متقنٍ وإن زاحمتْ علوماً أخرى؛ وقد كان من أئمة القراءة من جمَعَ بين الإمامة في القراآت والإمامة في علوم أخرى؛ كأبي عبيد القاسم ابن سَلاَّم؛ كان إماماً في القراآت وإماماً في الحديث وإماماً في الفقه، وكعلي الكسائيِّ من الأئمة السبعة في القراآت ؛ وكان من أئمة اللغة ، وغيرهما كثير .. 
 
وأعرف من المعاصرين أطباءَ ومهندسينَ تلقوا القراآت السبعةَ وربما العشرةَ وأتقنوها، وكثيرٌ من تلاميذ الشيخ عامر بن السيد عثمان شيخِ المقارئ المصرية ـ رحمه الله ـ هم بهذه المثابة .
ولا شك في أنَّ الاشتغالَ بهذا العلم الشريف أفضلُ الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم: ( خيركم ـ وفي رواية : أفضلُكُم ـ من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ ) قال راوي الحديث أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله : وذلك هو الذي أقعدني مقعدي هذا ـ يقصد الجلوس للإقراء ـ .
هذا الفضل العظيم مندوبٌ له كلُّ من رأى في نفسه الأهليةَ له والقدرةَ عليه.
 
 
2- ـ شبكة التفسير : يقال إنكم من المتشددين في المخارج والصفات ، ولا سيما في حرف ( الضاد ) فما ردكم على ذلك ، وما ضابط التشدد ؟.
 
د. عبد العزيز القارئ : مسألةُ تجويدِ القرآنِ لا يجوز التساهلُ فيها ؛ فالتجويدُ واجبٌ على كل مكلَّفٍ يقرأُ القرآنَ ؛ وكلٌّ على حَسَبِ طاقتِهِ؛ لكن لا يجوز شرعاً للقادر على تجويده أن يقرأه بلا تجويد ؛ بل عليه أن يتعلَّمَ التجويدَ، وأن يُطبِّق أحكامَهُ على قراءتِهِ.
وقد بَيَّنْتُ الأدلَّةَ على هذا في بابٍ أفْرَدْتُهُ لِذَلِكَ في كتابي " سنن القراء " ..
ولا فرْقَ في ذلك بين الضادِ وبين غيره من حروفِ القرآنِ إذ لا تصح القراءَةُ مع الإخلالِ بالحرف، كما لا تصح مع الإخلالِ بالإِعرابِ.
 
وأكثرُ الناس في هذا العصر لا يتقنون النطقَ بالضادِ؛ حتى أهلُ لغةِ الضادِ ؛ بل ينطقونها في الغالب دالاً أو طاءاً أو ظاءاً خالصةً ؛ وكلُّ ذلك لحْنٌ جلِيٌّ.
ولقد استمعْتُ إلى ثلاثةٍ من الأئمةِ الكبارِ في القراآت في هذا العصر فوجدْتُ نطقَهُمْ بالضادِ واحداً لا يختلِفُ، وهم :
الشيخ عامرٌ بْنُ السيد عثمان رحمه الله ، والشيخ أحمدُ عبد العزيز الزيات رحمه الله ، والشيخ كُرَيِّم راجح حفظه الله ، وهو شيخ القراء بدمشق الشام ؛ فمن أراد أن يتقن النطقَ بهذا الحرف فعليه أن يَتَلقَّاهُ من المتقنين .
 
 
3- ـ شبكة التفسير : ما رأيكم في التكبير عند الختم ، وهل يسوغ لأحد أن يعده من البدع ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : بَيَّنْتُ هذه المسألةَ في بابٍ أفرَدْتُهُ لَهَا في كتابي " سنن القراء " وذكرْتُ فيه قولَ ابن الجزري إنه مرويٌّ لجميع القراء، وذكرتُ فيه قولَ الإمام الشافعي لَلْبَزِّيِّ : " إنْ تركْتَ التكبيرَ فقد تركْتَ سُنَّةً من سُنَنِ نبيِّكَ" رواه الداني بإسناده في " جامع البيان"..
وذكر ابنُ كثير في تفسيره مثلَهُ عن أبي محمدٍ الحسنِ القرشيِّ [ تفسير ابن كثير 2 / 522 ] ..
وثبت عن مجاهدٍ ، وابنِ جُرَيجٍ، وابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، وغيرِهِم، وهو سنة المكيين لا يتركونها أبداً ، ولا يعتبرون رواية البزي ولا غيره ..
أقولُ : فمن وصَفَ مثلَ هذا بأنه بدعةٌ فهذا جهلٌ منه وتَهَوُّرٌ.
 
 
 
4- ـ شبكة التفسير: ما نصيحتكم للقراء وحفاظ القرآن في هذا الزمن ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : اليوم ـ والحمد لله ـ هناك إقبالٌ عظيمٌ على حفظِ القرآن وتجويده ، من الذكور والإناث والصغار والكبار، وهذا من مظاهر الصحوة العامة التي انتشر نورها في كل مكان، وأنا أرى أن كل هذا إرهاصاتٌ لفجرٍ قادم سينبلج إن شاء الله ونصرٍ مُؤزَّرٍ يتحقق بحول الله .
 
نصيحتي لمن اشتغل بالقرآن الكريم أن يخلصوا النيةَ فيهِ أولاً ؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى أن يُتأَكَّلَ بالقرآن فقال : ( اقرأوا القرآنَ ولا تأكُلُوا بهِ ولا تَجْفُوا عنه ولا تَغْلُوا فيه ) رواه أحمد ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( اقرأوا القرآنَ من قبل أَنْ يأتِيَ قومٌ يُقِيمُونَهُ إقامَةَ القِدْحِ يتعجَّلُونه ولا يتأجَّلُونه ) رواه أبو داود .
 
وهناك نصيحةٌ تتعلَّق بالبدايةِ وأخرى تتعلَّق بالدوام والثباتِ ، أما التي تتعلَّقُ بالبدايةِ فهي أن يحرص المبتدئُ أو يَحْرصَ وليُّهُ إنْ كانَ صغيراً على تَلَقِّي القرآنِ وتجويدِهِ على مُتْقِنٍ مشهودٍ له بالإتقانِ والفصاحةِ في الحروفِ والإِجادَةِ في تطبيقِ الأحكامِ؛ حتى ينشأَ لسانُهُ على النُّطْقِ الصحيح ؛ فإنه إذا نشأَ منذُ البدايَةِ على غير ذلك تَعَسَّرَ بعد ذلك إصلاحُهُ ؛ وقد سمعنا بعضَ المشهورين من أهل المحاريب يَلْحَنُ في بعضِ الحروفِ ويُخِلُّ بِهَا ، وصَعُبَ عليه إصلاحُهَا ، وتبيَّنَ أنَّ سبَبَهُ تَلَقِّيهِ القرآنَ منذ البدايةِ على غير المتقنين؛ فانطبع لسانُهُ على هذا الخللِ ..
وهذا ـ والله أعلم ـ من أسرار قولِ النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة : ( خذوا القرآنَ من أربعةٍ : من عبدِ الله بن مسعود ، وسالمٍ ، ومعاذٍ ، وأُبيِّ بْنِ كعبٍ ) فإن القراءَ من الصحابة غير هؤلاء كثيرٌ؛ وإنما خَصَّهم بالذكر لقوة إتقانهم أكثرَ من غيرهم.
 
وأما النصيحةُ التي تتعلَّقُ بالدوام والثبات : فإنني أوصيهم بالحرص على استذكار القرآن، وأن يكون للقارئ كلَّ يوم وِرْدٌ من القرآن يقرؤه لا يقلُّ عن جزءٍ ؛ وهذا يُفْهَم من قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبدِ الله بْنِ عمرو بن العاص : ( اِقْرَأْه في شهر ـ أو في ثلاثين ـ ) ثم تدرَّجَ به وهو رضي الله عنه يقول : إني أُطيقُ أفضلَ من ذلك . حتى قال له صلى الله عليه وسلم : ( اقرأه في سَبْعٍ ) قال : إني أُطيق أفضلَ من ذلك . قال صلى الله عليه وسلم : ( لاَ أفضلَ من ذلك ) ، وكان الخَتْمُ في سَبْعٍ حِزْبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو أفضلُ الأحوالِ في هذا المجالِ؛ لكنه صلى الله عليه وسلم بَدَأَ بالثلاثين؛ أي كلَّ يوم يقرأ جزءاً ؛ فدلَّ على أن هذا أولُ المراتب وأدناها في الاستذكار، ويبدو أيضاً أن التابعين الذين قسَّمُوا المصحفَ إلى ثلاثين جزءاً أخذوه من هذا الأصل .
ومما يساعد على الاستذكار التعاونُ على ذلك ؛ فإذا اتفق اثنان أو ثلاثة على أن يجتمعوا كلَّ يوم في مسجدٍ أو في أيِّ مكانٍ مناسبٍ فيتذاكرون القرآنَ فهذا من أفضل القُرُبَاتِ من جهةٍ ، ومن أحسنِ الوسائلِ المساعدةِ على المحافظةِ على الحِفْظِ ..
وما رأينا في زماننا هذا أقوى حفظاً من الشيخ علي جابر رحمه الله فقد صلَّى التَّهَجُّدَ وحدَهُ في المسجد الحرام في أحد الأعوام؛ فما تَردَّدَ ولا تَلَجْلَجَ ولا أخطأ ؛ ولما سألْتُه عن سرِّ قوةِ حفظِهِ أجابَ بأنه يراجع كلَّ يوم جزءاً من القرآن ، وفي شهر شعبان يراجع ثلاثةَ أجزاء ، وأنه لم يترك ذلك لا في سفر ولا في حضر ولا في مرض ..
وَلْيحرص أهلُ القرآن على إتقانِ تجويدِهِ فإنه مراتب؛ فلْيَحرصوا على أن يَصِلُوا إلى أعلى مراتبِ الإتقانِ ..
ولا يلتفتوا إلى المُعَوِّقَاتِ ، وأسوَؤُهَا في هذا الزمان فَتْوَى بعضِ الناسِ بعدم وجوبِ التجويد ، ومثلُ هذه الفتوى هي من نوازلِ هذا العصرِ ؛ لم يُعْهَدْ فيمَنْ تَقَدَّمَ مَنْ يُفتِي بذلك؛ فإن كانت من عالِمٍ فهي زَلَّةُ عالِمٍ، وإن كانت من جاهلٍ فيجب أن يُؤَدَّب إن كان لِحِمَى العلمِ اليومَ حُرَّاسٌ.
 
5- ـ شبكة التفسير : ما رأيكم في قراءة دعاء ختم القرآن في الصلاة ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : هو مذهب التابعين بمكةَ وبالبصرةِ ، ويَرْوِي أهلُ المدينةِ فيه شيئاً، ويُذْكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ..
وإليه ذهَبَ الإمامُ أحمد ؛ ولما سُئِلَ عن دليلِهِ قال : " رأيْتُ أهلَ مكةَ يفعلونه، وكان سفيانُ بن عيينة يفعله معهم بمكة ".
وهذا النوع من الاستدلال من الإمام أحمد رحمه الله يُعلِّمنا شيئاً كثيراً عن مناهج الأئمة المجتهدين في الاستدلال ، فهو لم يستدلَّ بنصٍ مرفوعٍ أو موقوفٍ ؛ بل بعملِ أهلِ مكةَ؛ أي عملِ التابعين بمكة وتابعي التابعين؛ لأنه مثَّلَ بسفيان بن عيينة ؛ وهو من أتباع التابعين ؛ فهذا يشبه استدلالَ مالكٍ رحمه الله بعملِ أهلِ المدينةِ.
 
وقد رأيْنَا جميعاً قوة تأثيرَ هذا الدعاءِ في الحرمين ؛ لأنه يجتمع فيه أسبابٌ عظيمةٌ : بركةُ المكانِ ، وبركةُ الزمانِ ، وبركةُ القرآنِ، وجَوْدَةُ انتقاءِ الأدعيةِ، وتَنْغِيمُهَا ؛ فإنَّ ذلك أَوْقَعُ في النفس؛ ولم يَفْقَهْ من قال : إنَّ تنغيمَ الدعاءِ بهذا الشكل بدعة، لقد أدركْتُ المفتي الأكبرَ سماحةَ الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله وكان يُنَغِّم خطبةَ الجمعةِ، وحضرْتُ عند سماحةِ الشيخ ابن باز رحمه الله وهو يُقْرَأُ عليه من كتبِ العِلْمِ بالتنغيمِ ويُقِرُّ ذلك؛ بل ويعجبُهُ ، ولَمْ أُدْرِكْ أحداً من أهلِ العلمِ والفقهِ في زماننا أَشَدَّ على البدع من هذين الإمامين ..
 
لكن هناك مبالغةٌ في التطويلِ في دعاءِ الختم؛ وسببُهُ تِكرارُ الأدعيةِ ، أحياناً تكرارُهَا لفظاً ومعنىً، وأحياناً تكرارُهَا معنىً؛ فينبغي إجادَةُ اختصارِهَا كما أجادوا انتقاءَهَا ، وينبغي أيضاً اختيارُ الأدعيةِ الجامعةِ الثابتةِ بدلاً من الحرص على السجع المُتكَلَّف .
 
6- ـ شبكة التفسير : يذكر أن لكم مؤلفات مخطوطة في فنون متنوعة فما هي ؟ إلى متى تبقى حبيسة عندكم؟
 
د. عبد العزيز القارئ : أنا من المُقِلِّين في التأليف؛ وإذا كتبْتُ في موضوعٍ علميٍّ فأطيلُ النَّفَسَ فيهِ، وبعضُ مؤلفاتي استغرق مني ستَّ عشرةَ سنةً ، ثم نَشَرْتُ خلاصَتَهُ في أقلَّ من مائةٍ وخمسين صفحةً، وهو كتابي عن حديثِ الأحرف السبعة.
 
لكنَّ أهمَّ ما أشتغلُ به الآنَ مشروعُ التفسير ، وهو تفسيرٌ على المنهج الذي شرحتُهُ وقدَّمْتُ أنْمُوذَجَاً له " تفسيرَ سورةِ العصر " ؛ وأنا الآن أسبح في بَحْرِ الفاتحةِ ..
والآمال في هذا المجال كثيرة نسأل الله التوفيق والسداد .
 
7- ـ شبكة التفسير : بعد طرحكم لرأيكم في حل قضية الأحرف السبعة ، هل جدَّ جديد في أفكاركم حول هذا الموضوع ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : مسألة الأحرف السبعة وَرَدَ بها حديثٌ متواترٌ ؛ وهو يُعَدُّ من أندر الأمثلةِ على المتواترِ اللفظيِّ ، فإن المتواتر اللفظيَّ من نُدْرته أنكر بعضُ المحدثين وجودَهُ ..
 
ومسألةُ الأحرف السبعة فيها خلافٌ كبيرٌ ؛ ولذلك عُنِيتُ بها وصرفْتُ من أجلها ستَّةَ عَشَرَ عاماً من عمري أبحثُ في جوانبَ الموضوعِ حتى توصَّلْتُ إلى النتيجةِ التي بَيَّنْتُهَا إجمالاً وتفصيلاً في كتابي " حديث الأحرف السبعة " ؛ وكلَّما تَعمَّقْتُ في البحث يزداد يقيني بما توصلْتُ إليه والحمد لله .
 
لكنني أتعجَّبُ من صنيعِ بعضِ الباحثين الذين كتَبُوا في هذا الموضوع بعدي ؛ يكررون القولَ الذي انتقدْتُه في كتابي وبيَّنْتُ وجُوهَ بُطْلانِهِ ؛ دون أن يجيبوا على تلك الوجوه؛ وهذا لا يصح في منهج البحث ..
ثم أكثرُهُم لا يستقْصِي المصادرَ ، ولا يلتفتُ إلى من سبقه بل ربما لا يدري هل سبقه أحدُ أم لا ! 
عندما كتبْتُ كتابي هذا عن الأحرفِ السبعةِ لم أَتركْ مطبوعةً ولا مخطوطةً يمكن أن تفيد في الموضوع إلا حَرَصْتُ على الوصولِ إليها، وكان من أهمِّ المخطوطاتِ التي ظفِرْتُ بها في هذا البحث كتابُ " اللَّوَامِحِ " لأبي الفضل الرازي ، وهو من أنفس ما كُتِبَ في هذا الموضوع ، وجدْتُ نسخةً خطيَّةً في المكتبةِ الأحمديَّةِ بحلب .
 
8- ـ شبكة التفسير : بعد تجربتكم المباركة في رئاسة مصحة المدينة النبوية قامت لجان علمية في بعض الدول العربية ، وأخرجت مصحفاً تحت إشراف لجنة علمية ، فهل ترون أن تعدد هذه اللجان في إخراج المصحف ظاهرة جيدة ، وهل هناك توجيهات لمن أراد الدخول في مثل هذه اللجان ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : 
أولاً : إن مصحفَ المدينةِ النبوية الذي يُوزِّعونه الآن ليس هو النسخة التي راجَعَتْهَا اللُّجْنةُ العلميةُ التي تشيرون إليها ؛ وكانت برئاستي ؛ وحقاً إنَّهَا لُجْنَةٌ لَمْ يُوجَدْ مثلُهَا في هذا العصر ؛ لأنه تَوافَرَ لها كوكبةٌ من علماء هذا الشأن من النادر أن يجتمعوا لمشروعٍ واحدٍ ، وكان فيهم من أئمة القراآتِ الأعلامِ : الشيخُ عامر بن السيد عثمان شيخُ المقارئ المصرية، والشيخُ عبدُ الفتاح المَرْصَفيُّ ، والشيخ محمود سيبويه البدوي، رحمهم الله ، وكان فيهم الدكتور عبد العظيم الشناوي رحمه الله ؛ وهو أحدُ أئمةِ اللغةِ في هذا العصر، وغيرُهُم؛ كلُّهم كانوا علماء كباراً يَنْدُرُ وجودُهُم واجتماعُهُمْ في مكانٍ واحدٍ؛ وكنتُ أَنَا رئيسُ اللجنةِ أَضعَفَهُم شأناً ؛ ولكن بحكم عمادتي لكلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في ذلك الوقت لَزِمَنِي أَنْ أَرْأَسَ اللُّجنةَ ، والكليةُ كانت هي الملتزمةَ بتصحيح المصحفِ المذكورِ وإعدادِهِ للطباعةِ؛ بناءاً على طلبٍ من وليِّ الأمرِ ، واقتراحٍ من سماحةِ الشيخ ابن باز رحمه الله .
 
وقد بذلَتْ هذه اللجنةُ جهوداً كبيرة؛ حتى بلغ مجموعُ مراتِ القراءة لهذا المصحف أكثَرَ من مائةِ خَتْمَةٍ ، وأظن أننا وصلنا إلى أصحِّ طبعةٍ للمصحف الشريف في هذا العصر.
ثم أُلْغِيَ كلُّ ذلك ( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثَاً ) وكُتِبَتْ نسخةٌ جديدةٌ من المصحف شُكِّلَتْ لها لُجْنَةٌ جديدةٌ ؛ في أكثر أعضائِهَا الخيرُ والبركةُ إن شاء الله ؛ لكنها لا تَرْقَى في مستواها إلى اللُّجنةِ السابقةِ بسبب وجودِ أولئك الأئمةِ الأعلامِ في اللُّجنةِ السابقةِ؛ ولا شك في أنَّ المكانةَ العلميَّةَ ، والخبْرَةَ العمليَّةَ ، والرُّسُوخَ في العلمِ كلُّ ذلك مهمٌّ في هذا الشأن .
 
ثانياً : لا يمكن احتكارُ طباعةِ المصحفِ ، ولا ينبغي ذلك ؛ الكلُّ في العالم الإسلامي قديماً وحديثاً يبذل جُهْدَه في ذلك؛ ومُجَمَّعُ الملك فهد بالمدينة النبوية ليس أوَّلَ مطبعةٍ تطبع المصحفَ ، ومصحفُ المدينةِ النبويةِ ليس هو أوَّلَ مصحفٍ صحيح يُطبع؛ من أَصحِّ المصاحفِ قبلَه مصحفُ الملكِ فؤادٍ ملكِ مصر؛ وعندي منه طبعةٌ قديمةٌ طُبِعَتْ بمصلحَةِ المساحةِ المصرية عام ( 1342 ) هـ ؛ وطُبع بعد ذلك مراتٍ عديدةً ؛ وسببُ مكانةِ هذا المصحفِ اللُّجْنَةُ العِلْميَّةُ التي أشرفَتْ على مراجَعتِهِ برئاسةِ شيخ المقارئ المصرية وقتذاك الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني رحمه الله ..
 
وعندي مصحفٌ مطبوعٌ بالهندِ طباعةً حجريَّةً عامَ ( 1289 ) هـ ، يسميه بعضُ الحفاظِ " مصحف عبد الملك " ؛ سمعْتُ بعضَهُم يَحكِي كيفَ جَعَلَ طابِعُ هذا المصحفِ كُلَّ الحُفَّاظِ بالهندِ أو جُلَّهُمْ يقومون بتصحيحِهِ؛ وذلك بأنْ أعْلَنَ أولاً بأنَّ كلَّ مَنْ يأتي بأخطاءِ الطباعةِ الواقعةِ فيهِ فَلَهُ مكافأةٌ : مقابلَ كلِّ خطأٍ كذا (روبية)؛ ثم مع كلِّ طبعةٍ صار يرفع قيمةَ الخَطَأِ ؛ حتى بلغَ به في الطبعةِ النهائيَّةِ كذا جنيهٍ ذَهَبَاً ؛ ففي هذه الطبعةِ الأخيرة جاءَ أحدُ الحُفَّاظِ بخطأٍ واحدٍ وأَخَذَ الجنيهات..
فهذا المصحفُ أيضاً يُعَدُّ من أَصحِّ المصاحِفِ ، لولا أنه لم يُلْتَزَمْ فيه برسمِ المصحفِ ، لكنه من أصحِّ المصاحفِ في النَّصِّ والإعرابِ والمهم أن المصاحفَ التي يقومُ المسلمون بكتابتها وطباعتها أكثرُ من أن تُحْصَى، وكثيرٌ منها تتم مراجعتُهُ بواسطةِ علماء مُعْتَبَرِين؛ ولا تستطيع أيُّ جهةٍ مهما أُوتيت من إمكاناتٍ علمية ومادية أن تحتكر ذلك الشأنَ الشريفَ ..
 
نعم كان هناك أملٌ بأن ينتشر " مصحف المدينة النبوية " في العالم الإسلامي أكثَرَ من غيره ؛ لثلاثةِ أسباب :
1- أنه توافَرَتْ له لُجْنَةٌ علميَّةٌ عاليةٌ جداً لم تتوافر لأي مصحفٍ في هذا العصر ؛ وهي اللُّجْنَةُ الأولى .
2- أنه سُخِّرَتْ له إمكاناتٌ طباعيَّةٌ لم تُسَخَّرْ لأيِّ مصحف.
3- أنه صار يُطبع بكمياتٍ كبيرةٍ ـ بالملايين ـ ويُوزَّعُ مجاناً .
 
ولكن بَطَلَتْ خصوصيةُ هذا المصحفِ ، وضَعُفَ الأملُ بانتشاره بالحجم المأمول بسبب طُرُوءِ عِلَّتين :
أولاهما : إِلغَاءُ عملِ اللُّجْنَةِ الأولى؛ وإنشاءُ عَمَلٍ جديدٍ أقلَّ جودةً .
ثانيهما : أن المصحف صار يُبَاعُ، وبأثمانٍ باهضةٍ ، بدلاً من أنْ يُوزَّعَ على المسلمين مجاناً.
 
9- ـ شبكة التفسير : ما رأيكم في إنشاء المراكز العلمية المتخصصة في الدراسات القرآنية ، وهل من رؤية لمثل هذه المراكز ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : من الظواهرِ المؤسفةِ في حياةِ المسلمين العلميةِ في العصرِ الحديثِ قِلَّةُ وجودِ مراكزِ الدراساتِ القرآنيةِ؛ بل الأعجبُ من ذلك أنَّ الكلياتِ الجامعيةَ المتخصصةَ بعلوم القرآن لم تُنْشَأْ إلا قريباً ؛ ولعلَّ كليةَ القرآنِ الكريم بالجامعةِ الإسلاميةِ بالمدينةِ النبويةِ أَوَّلُهَا ؛ نعم كان قبلَهَا قِسْمٌ للقراآتِ أُنْشِئَ بكليةِ اللغةِ العربية بجامعةِ الأزهر بالقاهرة لكنه كان تابعاً وليس مستقلاً ..
 
كيف يكون ذلك وعلومُ القرآنِ بَلغَتْ أكثرَ من ثمانين علماً عند السيوطيِّ في "الإتقان"، وأكثَرَ من مائةٍ في "التحبير علوم التفسير" ؛ ألا يستحق ذلك كلياتٍ جامعيةً، ومعاهدَ متخصصةً، ومراكزَ للبحثِ؟!
التوراةُ والإنجيلُ المُحَرَّفَانِ المُمْتَلِئَانِ بالخرافاتِ والأكاذيبِ بَذَلَ اليهودُ والنصارى في سبيلهما بلا حسابٍ ؛ آلافَ المراكز "الأكاديمية" ، وكليات اللاهوت ، والجمعياتِ الدينيةَ، ولم نبذل نحن عُشْرَ مِعْشَارِ ذلك في سبيلِ القرآن الكريمِ ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ؛ وهذا من أمَّةِ القرآنِ نقصٌ لا مُبَرِّرَ له، إنه نقصُ القادرينَ على التمامِ.
كنْتُ سبَقَ أن قدَّمْتُ مشروعاً لإنشاءِ مركزٍ للدراساتِ القرآنيةِ في مُجمَّع المصحفِ بالمدينة النبوية، ويُوجدُ الآن جناحٌ متواضع في المجمَّع عليه هذا العنوان؛ يبدو أنه ليس أكثر من دارٍ للنشر؛ شأنُهُ شأنُ المجمَّع كلِّه!!
 
10- ـ شبكة التفسير : يلاحظ ضعف المطروح في الدراسات القرآنية ، فما رأيكم في السبل الكفيلة بالتجديد في مجال الدراسات القرآنية ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : من أهم الأسباب في نظري الخَلَلُ في منهج الدراسات العليا بالجامعات؛ فأقسامُ الدراساتِ العليا بالجامعات الثلاث جامعة الإمام بالرياض، وجامعةِ أُمِّ القرى بمكة المكرمة والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، تَحوَّلَتْ إلى دُورٍ للنشر؛ وأسوأُ مثالٍ لذلك اشتراكُ عددٍ من الدَّارسين ـ أحياناً يصلُ عددُهُم إلى العشرة ـ في تحقيق كتابٍ واحدٍ بهدفِ إخراجِ الكتاب ؛ ولما كان هذا الاشتراكُ لا يتيح للدَّارسين فرصةً لِتَوْفِيَةِ مُتطَلَّباتِ البحثِ العلميِّ صَارُوا يَفْتَعِلُونَ الموضوعاتِ بشكلٍ غيرِ علميٍّ، ومن هنا تأتي دراساتُ كلِّ هؤلاء في غايةٍ من الهُزَالِ.
 
النَّشْرُ ليس من أهدافِ الدراساتِ العليا؛ لكنه يأتي تَبَعاً ؛ إذا كان مستوى البحثِ راقياً تُوصِي لُجْنَةُ المناقشةِ بطبع الرسالة، أما أنْ تُصَمَّمَ أبحاثُ الدراساتِ العليا بهدفِ النشر فهذا قَلَبَ أقسامَ الدراساتِ العُلْيَا إلى مكتباتٍ ودُورٍ للنشر.
عندما كنتُ رئيساً لِشُعْبَةِ التفسير في قسم الدراساتِ العليا بالجامعة الإسلامية منعْتُ هذا الاشتراكَ، ومنعْتُ ظاهرةً أخرى هي "المَرْوِيَّات" ؛ مَرْوِيَّاتُ فلانٍ في التفسير، وبعضُهُم يغلَطُ فيسميه تفسيرَ فلانٍ، ناسباً إليه مُصَنَّفاً في التفسير وهو ليس كذلك..
 
كلُّ هذه التصرفاتِ في الدراسات العليا أضعفتْ الدراساتِ عموماً؛ في التفسيرِ وعلومِ القرآنِ ، وفي غيرِهِ من العلومِ .
ومع أنَّ مجالَ علومِ القرآنِ مجالٌ خَصْبٌ لِمُخْتَلَفِ أنواع الدراساتِ فإنَّ مُعْظَمَ جهودِ الباحثين والدارسين تتجه إلى تحقيق المخطوطات، يستسهلون هذا الجانبَ لأنهم لا يعرفونه ولا يُوَفُّونَه حقَّه، يظنون أن قراءة النصِّ المخطوط عمليةٌ "ميكانيكيَّةٌ" سهلةٌ، وهي ليست كذلك .
لكنَّ مجالَ علوم القرآن "الثمانين" أو المائة على عدِّ السيوطي لا تزال تحتاج إلى دراساتٍ من كل نوع ..
ومجالُ التفسير أكثَرُ رَحَابَةً وأشدُّ حاجةً إلى ذلك ؛ فمجالُ التأمُّلِ والتَّدَبُّرِ للقرآنِ لا زال مفتوحاً على مصراعيه ..
كتابُ "الإتقان" للسيوطيِّ ما زَالَ مُحْتَاجاً إلى قراءةٍ جديدةٍ وتحقيقٍ مُتْقَنٍ يليق بمثل هذا الكتاب ، وإلى شرحٍ وتَحْشِيَةٍ وفَهْرَسَةٍ ، واختصارٍ، ودراساتٍ لمحتواه ..
 
11- ـ شبكة التفسير: لا زال المتعلمون يحسون بنقص الدروس في التفسير وعلوم القرآن ، فما رأيكم في حلِّ مثل هذه المشكلة ، ويكف يمكن أن يُحرَّك المتخصصون لإلقاء الدروس والمشاركة في إظهار ما عندهم من علم في الدورات والندوات ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : يبدو لي ـ والله أعلم ـ أن المشكلة إدارية أو سياسية ؛ فأنا أعرف عدداً من علماء التفسير لا يشاركون في تدريس التفسير لا في الدورات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، ولا في دروس الحرمين ؛ لأنهم لم يُدْعَوا إلى ذلك بل المُشَاهَدُ أن هناك ضعفاً عامَّاً في الدروس العلمية خاصةً في الحرمين ، هناك حلقات ممتازة لعلماء معروفين لكنها تُعد على أصابع اليد الواحدة ، والكثير ممن انْتُدبَ للتدريس في الحرمين أو في الدورات العلمية ليس مؤهَّلاً لذلك، وكثيرٌ من العلماء المؤهلين بقوا خارج الدائرة ؛ وهذا من سوء الإدارة وفشل السياسة !!
 
كان الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ حريصاً على شيئين :
أولهما : التدريس في الحرمين : فكان ينتدبُ العلماءَ لذلك ولو من خارج المملكة : كالشيخ عبد الرزاق حمزة ، والشيخ محمد حامد الفقي ، وهما من مصر ، وكانا يدرسان بالمسجد الحرام .
والآخر : إمامة الحرمين ؛ فقد كان حريصاً على تقديم المؤهلين لذلك ، وإذا لم يجد داخلَ المملكة من يصلح لذلك كان يستقدم القراء من الخارج ، فالشيخ عبد المهيمن أبو السمح وهو من مصر أمَّ بالمسجد الحرام ، وأستاذنا الشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله ، وهو من المغرب أمَّ بالمسجد النبوي لعام أو أقلَّ فالحرمان الشريفان يتعلقان بالعالم الإسلامي وليس بالمملكة وحدها ..
 
واليوم ـ والحمد لله ـ لا يُحتاج إلى مشاركة أحدٍ من خارج المملكة لا في الإمامة لوفرة القراء داخلها ، ولا في التدريس لكثرة العلماء في المملكة ؛ لكنَّ المؤسف أنه مع وفرة القراء في المملكة قدم لإمامة الحرمين أحياناً من ليس مؤهَّلاً لذلك ، ومع كثرة العلماء المؤهلين تصدَّر للتدريس بالحرمين من ليس أهلاً لذلك ؛ وأظنُّ أنَّ السبب سوءُ التصرف إدارياً ، وقد بلغني أن أحد "اللَّحَّانِين" من أئمة الحرمين الآن ، إنما رشحه موظفٌ رسميٌّ إداريٌّ رفيعٌ لا يعرف التجويد أصلاً ، سمعه يؤمُّ في مسجد بمكة فأُعجب بصوته، ولم يدْرِ أنه "لَحَّانٌ" أي كثيرُ الخطأ في التجويد .
 
12- ـ شبكة التفسير : مما لا يخفى على مثلكم أن للعالِم أمنيات ، ولا يكاد يحقق منها إلا القليل فما الأمنيات التي تودونها في تخصص الدراسات القرآنية ، ولم تستطيعوا تنفيذها ، لعل هناك من يقوم بها من الباحثين الذين يطلعون على هذا اللقاء ؟
 
د. عبد العزيز القارئ : أهم أمنية علمية قرآنية كنت حريصاً على تحقيقها هي " الجمع الصوتي للقراآت المتواترة " وهذا الهدف الخطير الكبير فكرت فيه أيام تقلدي لعمادة كلية القرآن الكريم بالمدينة النبوية ؛ لأنني نظرت فإذا حولي بالكلية أعلام كبار من علماء القراآت: الشيخ عبد الفتاح القاضي رحمه الله ، ثم جاء بعده إلى المدينة الشيخ عامر بن السيد عثمان شيخ المقارئ المصرية رحمه الله ، ثم جاء الشيخ أحمد عبد العزيز الزيات رحمه الله، وعُين بمجمع المصحف ، وكان يدرس بكلية القرآن ..
 
وأهل العلم يعرفون إمامة هؤلاء الثلاثة في مجال القراآت ، وكان بالكلية أيضاً الشيخ عبد الفتاح المرصفِي رحمه الله ، والشيخ الدكتور محمود سيبويه البدوي رحمه الله ، والشيخ محمود جادو رحمه الله ، والشيخ عبد الرافع رضوان حفظه الله وبارك في عمره، وغيرهم ؛ وكان كل هؤلاء علماءَ في القراآت بمرتبة الحجية ، أي كل واحد منهم حجة في هذا الفن؛ وهم يُعدُّون من أهل الطبقة الأولى في هذا العصر ، وبقي من أهل هذه الطبقة الأولى بمصر الشيخ إبراهيم شحاته السَّمَنُّودِي بارك الله في عمره وأمدَّه بالصحة والعافية ، فإنه من طبقة الشيخ عامر والشيخ الزيات ، وفي الشام عددٌ من أئمة القراآت الكبار من أهل هذه الطبقة ..
 
فلما رأيت اجتماع أولئك الأئمة في القراآت في مكان واحدٍ هو المدينة النبوية؛ وأكثرهم عندي في كلية القرآن أدركت أنها فرصة لا تفوَّت لتحقيق هذا الهدف الكبير وهو "الجمع الصوتي للقراآت المتواترة" ؛ وهو لو تحقق فإنه يُعدُّ بحق الجمع الرابع للقرآن ؛ فإن القرآن جُمِعَ قبلَ ذلك ثلاث مرات : 
أولاها : في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كُتب مفرَّقاً في العُسُب واللِّخاف والورق والرقاع وعظام الأكتاف ونحو ذلك ، وثانيها : في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه كُتب لأول مرةٍ بين دفتين ، ثم ثالثها : في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه كُتبت من نسخة أبي بكر خمس نسخ وأرسلت إلى الأمصار ..
 
لكنْ لم يُفكِّر أحدٌ أنه يمكن تسجيل القرآن صوتياً ؛ لأن هذا ارتبط بالتقدم "التكنولوجي" في العصر الحديث حيث تطورت أجهزة الصوتيات بشكل لم يَسْبِقْ له نظيرٌ وأصبح ممكناً تسجيل القراآت كلها صوتياً ؛ وفي تسجيلِ القراآت تسجيلٌ للغات العرب ولهجاتها ، فهو موضوع كبير من جميع جوانبه ..
 
لكنَّ مثلَ هذا المشروع الجليل الخطير يتطلب ثلاثة أمور بدونها لا يصبح ذا قيمة علمية تُذكر :
1- توافر الإشراف العلمي الراقي : بوجود مراجع بمرتبة الحجية في القراآت كما مثلت سابقاً ، يشرفون على التسجيل ويراقبونه ؛ لأن القراآت أكثرها أمور صوتية دقيقة قد تخفى حتى على بعض الخواصِّ.
2- توافر الأداء القرآني الراقي : بوجود قرَّاء ذوي أداء مُتْقَنٍ ، وأصوات حسنة، وتنغيم جيد ، وهذا كان متوافراً في طلاب كلية القرآن ، وكان أحسن هؤلاء الذين اخترناهم للمشروع طالبٌ باكستانيٌّ ، تميّزَ بفصاحة الحروف وإتقان التجويد ، وجودة التنغيم ، وحسن الصوت، لكن رئاسة الجامعة وقتها حرصت على ترحيله بمجرد تخرجه ففقد المشروع واحداً من أهم عناصره !!
3- الإرادة الإدارية : فإن مثل هذا المشروع يحتاج إلى إشراف إداري ، وتمويل كاف، وجهة علمية قادرة تتبنى تنفيذه ، وكانت هذه الجهة موجودة وهي كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ، وكانت الإرادة الإدارية لتنفيذ المشروع متوافرة لديها ، وغير متوافرة لدى الرئاسة، مع أن رئيس الجامعة وقتها أظهر الموافقة ؛ لكنه كان حريصاً على إفشال المشروع بأساليب غير مباشرة ..
 
وأمدَّتنا وزارة الإعلام وقتها بإنشاء "استوديو" للتسجيل في نفس الكلية ، وكان لهذا التبرع السخي أثر كبير دفع المشروع إلى الأمام ؛ وبدأنا نُسجل ونذيع ما نسجله في إذاعة القرآن الكريم باسم " دروس من القرآن الكريم " ؛ حتى يستمع أهل العلم وأهل الاختصاص إلى ما نسجله ويشاركوننا الرأي والمشورة ؛ ونجحت هذه الخطة نجاحاً باهراً ..
أخبرني أحد أهم كبار العلماء وأعيانهم وقتذاك فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام وخطيب المسجد النبوي ورئيس القضاة بالمدينة النبوية ـ رحمه الله ـ أنه لا تفوته حلقة من حلقات هذا البرنامج ؛ وأنه يستمع إليه دائماً ، وأبدى إعجابه به وبمشايخ القراآت الذين يُديرون الشرح فيه، وخاصة الشيخ محمود سيبويه وقال : حقاً إنه لسيبويه عصره .
ولما طلبت من فضيلته أن يزودنا بملحوظاته وتوجيهاته فاجأني بملحوظة دقيقة هامة عن أحد من كان يقوم بالأداء والتلاوة بين يدي المقرئ قال : فلانٌ ممن يقرأ استبعدوه لأن نغمته أعجمية هندية والقرآن عربي. واستبعدناه فعلاً .
وبعد انتهاء مدة عمادتي لكلية القرآن الكريم استمرَّ التسجيل فترة من الوقت حتى بلغوا آخر سورة المائدة أو بعدها ثم توقف المشروع ..
 
والآن يَعْلُو غبارُ النسيان ذلك "الاستوديو" الذي أنشأته وزارة الإعلام بالكلية ، ويبدو أنه فاتت فرصةٌ ثمينة لتحقيق " الجمع الرابع للقرآن الكريم " الذي هو " الجمع الصوتي للقراآت المتواترة " ؛ لأن معظم أولئك الأئمة الأعلام من علماء القراآت رحلوا إلى الآخرة ..
 
السؤال : هل يمكن الآن تنفيذ هذا المشروع ؟
أقول : نعم يمكن ، فإنه كما ذكرتُ سابقاً بقي من أئمة القراآت من أهل الطبقة الأولى بمصر الشيخ إبراهيم شحاته السَّمَنُّودِي أمدّه الله بالحصة والعافية ..
وفي الشام عددٌ من أئمة القراآت من أهل هذه الطبقة يُعدُّون في مرتبة الإمامة والحجية، أعرف منهم شيخ مقارئ دمشق الشيخ كريم راجح حفظه الله وبارك في عمره.
وهناك كثيرون من القراء الشباب من أهل الطبقة الثانية والثالثة ، لكنَّ هذا المشروع لخطورته وجلالة شأنه وعِظَمِ صلته بالقرآن الكريم لا يكفي أن يباشره مثلُ هؤلاء الأفاضل ؛ لا بد من الأئمة الكبار .
 
(أجرى اللقاء: د. فهد الوهبي)

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
اترك تعليق
اسمك:
التعليق:
صورة تحقق
غير مفهوم؟ اضغط للتغيير

هل كتاب اللوامح الذي وصفه الشيخ حفظه الله سيظل حبيس المخطوطات مع نفاسته التي ذكرها ، مع العلم أنه مصدر مهم جدا لكل من يبغي تحقيق الكتب التي نقلت عنه كالبحر المحيط والدر المصون وروح المعاني ......... إلخ
بواسطة : حسن علي حسن في : 2017/03/17 15:38

كيف ترى الموقع بحلته الجديدة ؟

برجاء الإنتظار ...
أدخل بريدك الإلكتروني

Fahad_Alwahbi@

   
جميع الحقوق محفوظة الدكتور فهد الوهبي