الصفحة الرئيسية الأخبار السيرة الذاتية معالم المدينة
 
واجب تدريب على التدبر   مقرر قراءة في مصادر التفسير   الثبيتي ... وإيمانيات الفجر ..!   الاستنباط من القرآن الكريم   الدكتور فهد الوهبي يحصل على الشهادة الاحترافية في التحكيم من مركز التحكيم التجاري   تعيين الدكتور فهد الوهبي عضواً في اللجنة العلمية لمركز بحوث ودراسات المدينة   الدكتور فهد الوهبي ضيف حلقة نقاش بعنوان: (المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير)   الدكتور فهد الوهبي ضيف لقاء أهل التفسير بعنوان: (حقول الدراسات القرآنية)   تحميل كتاب (المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير)   الأحساء: الدكتور فهد يلقي دورة بعنوان: (اختيار الموضوع وصياغة العنوان في حقول الدراسات القرآنية)  
الدكتور فهد الوهبي يحصل على الشهادة الاحترافية في التحكيم من مركز التحكيم التجاري
قريباً برنامج (حديث القرآن) مع الدكتور فهد الوهبي
داخل الحرم
على جبل الرماة أثناء تصوير لقناة الشارقة
1,351,019
  1. دروس المحكم والمتشابه دراسة تحليلية
  2. المحكم والمتشابه دراسة تحليلية (2)

المحكم والمتشابه دراسة تحليلية (2)

أضيف بتاريخ : الجمعة, 07 فبراير 2014  |   عدد المشاهدات : 3386

المحكم والمتشابه " الدرس الثاني "

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على خاتم النبيين وإمام المرسلين سيدنا ونبينا محمد عليه و على آله وأصحابه  أفضل الصلاة وأتم التسليم ، اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما نافعا وعملا صالحا يا أرحم الراحمين . أما بعد :

فلا يزال الحديث موصولا في موضوع المحكم والمتشابه وسبق بالأمس الحديث عن تعريف المحكم والمتشابه وقلنا أن المحكم في اللغة : هو المتقن وقلنا إن هذا المعنى اللغوي يقابله عند المتشابه في اللغة : هو المشتبه ثم قلنا تعريف المحكم والمتشابه في الإصطلاح .

هناك مسألتان تؤثران في تعريف المحكم والمتشابه ماهما ؟ 

الأولى : معنى التأويل الوارد في قوله جل وعلا { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ }.

والمسألة الثانية : هي هل العلماء يعلمون المتشابه أو لايعلمونه هل يمكن لهم أن يصلوه إلى علم المتشابه أو لا يمكن .

_ طيب _ قلنا أن التأويل له ثلاث معاني في الاصطلاح معنيان في اللغة استخدمهم السلف وهو ماجاء به القرآن ومعنى ثالث عند الأصوليين  : 

المعنى الأول : هو التفسير وقلنا أن التأويل يأتي بمعنى التفسير واستخدمه الإمام ابن جرير الطبري كثيرا في كتابه  " جامع البيان " .

والمعنى الثاني : حقيقة مايؤول إليه الأمر مثل ماذا ؟ _ أعطوني جملة فيها كلمة تأويل بمعنى حقيقة مايؤول إليه الأمر _ { نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ }يعني حقيقة مايؤول إليه الأمر . _ أعطوني أيضا كلام من كلامنا العام الدارج جملة تقولها أنت وتقصد بها حقيقة مايؤول إليه الأمر _ ، لو جاءك شخص وقال لك أخبرني بتأويل رؤيا كذا وكذا هل هو يقصد تفسير الكلمات أو يقصد ماتؤول إليه هذه الرؤيا ؟ ماتؤول إليه هذه الرؤيا .

هناك أربع مسائل قلنا أنها مترابطة إذا قلتا في إحداها بقول يلزمك الاستمرار في جميع المسائل بلازم هذا القول وهي :

أولا : إذا قلت التأويل هو حقيقة مايؤول إليه الأمر يلزمك أن تقول إن العلماء لايعلمون المتشابه ويلزمك أن تقف في الآية عند قوله جل وعلا {   إِلاَّ اللّهُ } ويلزمك أيضا أن تقول إن المتشابه هو حقائق الأمور والمغيبات .

وإذا قلت التأويل بمعنى التفسير يلزمك أن تقول إن العلماء يعلمون المتشابه وأن تقف على قوله جل وعلا { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  } وأن تقول إن المتشابه  هو محتاج إلى تفسير .

نبدأ اليوم في ذكر الخلاف في معنى المحكم والمتشابه :

العلماء مختلفون وذكروا عددا من الأقوال في هذه المسألة  ماهو المحكم وما هو المتشابه ؟ لكن يظهر والله أعلم أن مرد الأقوال كلها إلى قولين :

القول الأول : أن المحكم ماعرف المراد منه إما بظهور معناه  أو بتأويله إلى معنى مرجوح  و أما المتشابه فهو ماستأثر الله بعلمه  مثال ما استأثر الله بعلمه وقت قيام الساعة ووقت خروج الدجال ووقت مخرج عيسى ابن مريم عليه السلام وغير ذلك من أشراط الساعة . إذا أصحاب هذا القول يجعلون التأويل بأي معنى التفسير أو حقيقة مايؤول إليه الأمر ؟حقيقة مايؤول إليه الأمر ويقفون عند قوله { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } ويقولون إن العلماء لايعلمون المتشابه هذا القول صححه الأستاذ أبو منصور البغدادي وقال عنه السمعاني : " إنه أحسن الأقاويل " قال : " وهو المختار على طريقة السنة " . هل المتشابه على هذا القول له تعلق بالأحكام التكليفية ؟ لا ليس له تعلق لأن المتشابه على هذا المعنى له علاقة بالعقيدة وأصول الدين نؤمن بوقت قيام الساعة ولا نعرف متى تقوم وكذلك نؤمن بنزول عيسى ابن مريم ولا نعرف متى ينزل . فهل هذا له تعلق بالفقه أو بأصول العقيدة والاعتقاد ؟ بالاعتقاد . هل له تعلق بالتفسير ؟ ليس له تعلق بتفسير الألفاظ . هذا القول الأول . هل هنا يصح اطلاق كلمة المتشابه على هذا المعنى أو لايصح ؟ يصح . لأن المحكم ماعلم وقته فلا تشابه عنده وأما المتشابه فإنه مشتبه عليك في وقته متى يأتي فهنا يصح إطلاق المتشابه من حيث اللغة على هذا القول .

القول الثاني : قالوا المحكم ما لا يحتاج إلى تفسير وأما المتشابه فهو ما احتاج إلى تفسير وهذا القول جاء للتأويل في الآية بمعنى التفسير ويلزمه أن يقف على قول الله جل وعلا {  وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } ويلزمه أيضا أن يقول إن العلماء يعلمون المتشابه .

ثم اختلف أصحاب القول الثاني في تحديد المحكم والمتشابه اختلافا كثيرا : والذي يظهر والله أعلم أن اختلافهم ليس اختلاف تضاد وإنما اختلاف تنوع فما يذكره أصحاب القول الثاني من الأقوال هي على سبيل ذكر بعض صفات المتشابه والمحكم فإذا تأملت هذه الأقوال كلها عرفت مجموع الصفات للمحكم ومجموع الصفات للمتشابه عند أصحاب هذا القول الثاني ولذلك يقول الجصاص : " فجميع هذه الوجوه يحتمله اللفظ  _ يعني الأقوال في القول الثاني _ ولولا احتمال اللفظ لما ذكروه لما تأولوه عليه  وليس يمتنع أن تكون الوجوه التي ذكرناها عن السلف على اختلافها يتناولها الاسم على ماروي عنهم فيه فيما بينا من وجوهها " ويقول الشوكاني : " وإذا عرفت هذا عرفت أن الاختلاف الذي قدمناه ليس كما ينبغي وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته وعرفوا المتشابه بما يقابلها " إذا الأقوال التي ستأتي هي أقوال في صفات المحكم وصفات المتشابه وليست أقوال متضادة  وإذا ذهبت وقرأت في أحد الكتب التي تتكلم عن المحكم والمتشابه تجد أنه يسرد الأقوال هذه كأنها متضادة ومتعارضه والحقيقة أنها أقوال في بيان صفات المحكم وأقوال في بيان صفات المتشابه ولذلك قد يأتي عن الشخص الواحد عن العالم الواحد أكثر من قول فهل يناقض نفسه ؟ لا وإنما يذكر أمثلة للمحكم وأمثلة للمتشابه .

القول الأول : _ الداخل في القول الثاني _ من راعا الوضوح في النص _ يعني بعض العلماء يراعون الوضوح في النص _ يقولون المحكم ماتضح معناه فلا يتطرق إليه إشكال {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }الإخلاص1 واضح أو خفي ؟ إذا على هذا القول محكم أو متشابه ؟ محكم قالوا والمتشابه نقيضه الذي يتطرق إليه الإشكال فلاتعرف معناه حتى ترجع إلى التفسير وتقرأ وتعرف المعنى ومثاله { ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } القرء الآن مشترك بين معنيين فلا يمكن أن تعرف المراد حتى ترجع إلى التفسير فمعناه غير واضح غير جلي هذا القول صححه الشوكاني وقال عنه القرطبي : " أحسن ما قيل في المتشابه " وقال عنه الطوفي : " أجود ما قيل " وهو الأصح عند المتكلمين هذا القول إذا هذا القول الأول الذي راعا الوضوح في النص .

القول الثاني : الذي راعا تعدد الدلالات . يقول القول الثاني : إن المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا _ يعني لايدل إلا دلالة واحدة _  والمتشابه ما حتمل أوجها وهو قريب من القول الأول هذا القول الثاني مروي عن محمد ابن جعفر ابن الزبير وقال الزركشي : " وجرى عليه أكثر الأصوليين " وصححه ابن عطيه صاحب كتاب " المحرر الوجيز " في التفسير فإذا هنا يقولون إذا كان اللفظ يدل على معنى واحد فهو محكم وإذا كان اللفظ يدل على عدة معاني فهو متشابه فا لألفاظ المشتركة محكمة أو متشابه على هذا القول ؟ متشابهه وما يقول عنه الأصوليين أنه نص محكم أو متشابه ؟ محكم مثال المحكم { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } الأعداد كلها في القرآن على هذا القول محكمه لأن العدد لا يحتمل رأيين { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم جميع الأعداد تعتبر نصوص وهي داخله في المحكم .

القول الثالث : الذي راعا استقلال النص في دلالته على المعنى يقول هذا القول إن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه مالا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره يقول القاضي أبو يانا : " وهذا قول عامة الفقهاء " وقريب من هذا القول من فسر وقال المحكم ما تأويله تنزيله _ يعني تلاوته تكفي عن تفسيره _ وقال المتشابه مالا يدرى إلا بتأويل  _ يعني بالتفسير _ هذا قريب من هذا القول فإذا إذا قرأت آية وفهمت معناها واضحة لاتحتاج إلى رجوع إلى آية أخرى وتفسيرها فهذا يسمى عند هذا القول محكمة وأما إذا احتجت إلى التفسير والرجوع إلى آيات أخرى فهي تعتبر متشابه .

القول الرابع : راعا تكرار الآيات _ يعني وجود الاشتباه بسبب التكرار يقول المحكم مالم تتكرر ألفاظه والمتشابه ما تكررت ألفاظه وهذا مروي عن ابن زيد مثاله مثلا قوله جل وعلا في قصة نوح قال : {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } في سورة المؤمنون يقول : { فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } وفي سورة هود يقول : {  احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } هناك { فَاسْلُكْ } وهنا { احْمِلْ فِيهَا } يقول هذا اشتباه أو لا ؟ تكرر المعنى باختلاف اللفظ في قصة موسى يقول :{اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ  } في سورة القصص ويقول في سورة النمل { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } هناك قال : { اسْلُكْ  } وهنا قال : { وَأَدْخِلْ } يقولون هذا تشابه لأنه تكرر المعنى واختلف اللفظ  في قصة موسى أيضا يقول :{فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } في سورة طه  ويقول في سورة الأعراف والشعراء :{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } هناك قال :{ حَيَّةٌ } وهنا قال : { ثُعْبَانٌ } فهنا جرى التشابه أنه اختلف اللفظ مع وجود اتحاد في المعنى فهنا يقول ما الحكمة من تعدد القصة باختلاف اللفظ  هنا اشتباه على السامع أو لا ؟ فمن هذا الباب دخل في المتشابه أنه تشتبه الحكمة على السامع لماذا كرر القصة واختلف اللفظ ؟ قال الجصاص : " فهذا أيضا أحد وجوه المحكم والمتشابه واطلاق الاسم فيه سائغ جائز " .

القول الخامس : من راعا الاشتباه على القارئ في معرفة ثبوت الحكم أو نسخه يقول المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ صاحب هذا القول يقول أنا يشتبه عندي إذا قرأت آية هل هي ناسخة أو منسوخة فإذا كانت ناسخة فهي محكمة وإذا كانت منسوخة فهي متشابه وهذا مروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وقتادة والربيع والضحاك وسبق أن قلنا إن هذا القول يميل إلى الإحكام والتشابه العام وليس إلى الإحكام والتشابه الخاص وهو يلحظ هذا القول في قوله تعالى { فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ }والإحكام هنا غير الإحكام الذي نتحدث نحن عنه في سورة آل عمران إلا أن ابن عطية أدخله في هذه المسألة وقال : " وهذا عندي على جهة التمثيل " . 

هذه الأقوال الواردة في المحكم والمتشابه في هذه الآية ما رأيكم في هذه الأقوال ؟ إذا هذه الأقوال الخمسة التي ذكرناها ترجع إلى القول الثاني أن المحكم ما لا يحتاج إلى التفسير والمتشابه ما احتاج إلى تفسير .

هذان القولان الأول والثاني أيهما الصحيح في تفسير الآية ؟

 القولان صحيحان وقويان جدا وإن كان القول الأول أقرب في تفسير الآية من القول الثاني . لماذا أقرب ؟ لأن من عادت القرآن في مثل هذا اللفظ إذا جاء يعني مثلا قوله جل وعلا {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } إذا جاء اللفظ بهذا الأسلوب يدل على الاختصاص بالله جل وعلا لكن القول الثاني أيضا صحيح . لأن هناك قاعدة في التفسير أن اللفظ إذا احتمل أكثر من معنى ولا يوجد تعارض بين هذه المعاني في التفسير _ يعني تناقض _  فإنه يحمل على جميع هذه الأقوال . لكن القول الأول أقرب إلى الآية من القول الثاني .

المسألة الرابعة : ما الحكمة من إنزال المتشابه ؟

الباعث إلى ذكر هذه المسألة عند الأصوليين وعند علماء علوم القرآن الشبه عندهم شبه يقولون : أليس الله جل وعلا قد أنزل القرآن للبيان _ بيان للناس أو لا _ ؟  ماهي الآية التي تدل على هذا ؟ {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } يقولون إذا كان القرآن بيان للناس فكيف يشتمل على ما لا يفهم معناه فلا يكون القرآن بيانا ما رأيكم في هذه الشبه ؟ إذا هذه الشبه تقع على احتمال واحد وهو أن يوجد في القرآن لفظ ليس له معنى وهذا غير واقع على الصحيح . ولذلك العلماء رتبوا الحكم _ ونحن نسرد لكم ما ذكره العلماء _ ونناقش هذه الحكم .

أولا : قالوا الحكم من إنزال المتشابه على القول بأنه يفهم معناه هناك حكم لماذا أنزل الله المتشابه الذي يصعب فهمه إلا بعد الرجوع إلى التفسير قالوا أولا : حث العلماء على النظر وعلى طلب العلم وعلى الوصول إلى تفسير كتاب الله جل وعلا وهذه الحكمة قد تكون صحيحة لأن العلماء يبحثون عن معاني كتاب الله جل وعلا .

ثانيا : قالوا إظهار فضل العالم على الجاهل قال الزركشي : " والأنفس الشريفة تتشوق لطلب العلم وتحصيله " وقال علاء الدين البخاري : " فإن الكل لو كان ظاهرا جليا بطل معنى الامتحان ونيل الثواب بالجهد في الطلب " .

ثالثا : قالوا أن الله جل وعلا أنزل المتشابه ليختبر العباد فالمؤمن لا يدخله فيه شك ولا ريب في المتشابه وهو بين أمرين إما أن يفهمه وإما أن يقول : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } كما جاء في الآية أما المنافق فيرتاب ولايزيده القرآن إلا خسارا ومن كان في قلبه زيغ فإنه سيتبع المتشابه من أهل البدع وغيرهم وهذا ما جاء في سرد الآيات فإن الله جل وعلا قال :{فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }آل عمران7 ثم قال : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }آل عمران8 إذا المؤمنون يدعون الله جل وعلا أن يفهمهم القرآن ويؤمنون به والمنافقون يزيغون وأهل البدع يفتنون الناس باتباع المتشابه . وقد ورد هذا المعنى في آيات كثيرة في القرآن : مثل قوله جل وعلا : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }البقرة26 . ويقول أيضا : {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (125 ) }التوبة . ويقول أيضا : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(  54 )}الحج . ويقول أيضا جل وعلا : {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً }الإسراء60 . إذا هذه حكمة من حكم المتشابه على القول بأن المتشابه مايفهم معناه .

 _ طيب _ ذكروا حكما على القول بأن المتشابه لايعلم أحد معناه وإنما استأثر الله بعلمه وكلامهم هذا يحتمل في هذه الحكم يحتمل أنهم يريدون أن هناك ألفاظ لايعلمها إلا الله وقلنا أن الصحيح أنه لايوجد لفظ لايعلمه إلا الله في القرآن بل يعلمه العلماء .

 وقد رتب الزركشي بعض الحكم على هذا الاحتمال على وجود لفظ لايعلمه إلا الله قال : من الحكم الابتلاء والامتحان يعني يقف الإنسان عنده ويؤمن به ولايعرف معناه وهذه الحكمة الصحيح أنها تنطبق على وجود ألفاظ يصعب فهمها إلا بعد الرجوع إلى التفسير .

 قال أيضا من الحكم قال إقامة الحجة حيث نزل القرآن بلغة العرب ثم عجزوا عن الوقوف على مافي هذه الآيات مع بلاغتهم وإفهامهم فيدل على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها وهو الله سبحانه . يقولون أليس القرآن قد نزل بلغة العرب ؟ والعرب كانوا من أبلغ الناس في ذلك الزمان وقريش كانت أبلغ العرب أو لا ؟ _ طيب _ فإذا وجد في القرآن لفظ لم يصلوا إلى معناه فإنه يدل على عجزهم _ صحيح _ ؟ ما رأيكم في هذه الحكمة ؟ لو وجدت ألفاظ لايعرفها العرب ألا يقول العرب إن هذا القرآن لم ينزل بلغتنا . كيف يخاطبون بلغة أخرى ؟ وكيف يطالبون بالإيمان به ؟ لو جاءت ألفاظ في القرآن لقالوا إنه لم ينزل بلغتنا وإنما نزل بلغة أخرى هم حاولوا الطعن في القرآن أو لا ؟ حاولوا أن يطعنوا في القرآن ولكن عجزوا عن مجاراة بلاغته لكن ألفاظه معلومة عندهم ولم يرد عن العرب أنهم قالوا إنه نزل بلغة أخرى أو أن هذه الألفاظ ليست من لغتنا فلا نفهم معناها وقد أثبت القرآن أنه نزل بلغة العرب كما سيأتي فلا تصح هذه الحكمة . نحن قلنا أن هذه الحكم التي ذكرها الزركشي على اعتبار أنه يوجد في القرآن لفظ لايعلم معناه إلا الله لكن لو كان المعنى عند الزركشي أن المراد بالمتشابه أمور الغيب . ما الحكمة من إنزال آيات في أمور الغيب ؟ للإيمان بهذه الأمور لأن الإيمان بالغيب من أصول الاعتقاد فلا يمكن أن يخلوا القرآن من آيات تدل على أمور الغيب وتفصل الغيب ولذلك يقول الله جل وعلا : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( 3 ) } البقرة . {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7 ) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8 ) }سبأ . إذا هذه الآيات أمور الغيب هي التي وقع فيها إشكال عند العرب فطعنوا فيها وشكوا فيها وقالوا كيف يعدنا محمد بعد أن نصير ترابا أن نجمع ونبعث مرة أخرى ولم يقولوا أن الألفاظ التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم لا نعلمها ولا نعرف معناها . إذا قلنا إن وجود آيات في القرآن تدل على الغيب هذا أمر طبيعي لأن القرآن يدل على الإيمان بالغيب والإيمان بالغيب من صلب الاعتقاد وهو أساس من أساس الإيمان بالرسل .

المسألة الخامسة وهذه مسألة مهمة جدا :

هل في القرآن ما لايعلمه إلا الله ؟  وينبغي أن نفصل في هذه المسألة ونقول  نقسمها إلى أقسام :

أولا : هل في القرآن مالايعلم تفسيره إلا الله ؟ _ وهذا القسم الأول ننوعه إلى أنواع _ حتى نرتب الكلام _ نقول :

أ / هل في القرآن مالامعنى له أصلا ؟ يعني لفظ ليس له معنى مهمل عند العرب هل يقع هذا ؟ الآن لو كتبت مثلا خاء ، وضاد ، وصاد ، وقرأتها الآن هل هذه الكلمة لها معنى ؟ تسمى ماذا ؟ مهملة لم ينطق بها أحد هل يوجد في القرآن لفظ مهمل ؟ لا معنى له أصلا ؟ لا لا يوجد . لايمكن أن يوجد في القرآن لفظ ليس له معنى الدليل أن القرآن أولا نازل بلغة العرب ولغة العرب ألفاظ ذات معاني يدل على أنه نزل بلغة العرب آيات كثيرة منها قوله جل وعلا {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }يوسف2 .  وقال {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً}الرعد37 . وقال {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً }طه113. وقال {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }الشعراء195. وقال {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }الزمر28 . آيات كثيرة تدل أنه عربي ولغة العرب ألفاظ ذات معاني وأما الألفاظ المهملة فلا يتكلمون بها إذا هذا دليل على أنه لا يوجد في القرآن لفظ مهمل .

ثانيا : _ الدليل الثاني على أنه لا يوجد في القرآن لفظ ليس له معنى اتفاق العلماء على عدم وجود لفظ  في القرآن ليس له معنى بالاتفاق لأن ما لا معنى له هذيان لايليق أن يتكلم به عاقل فكيف بالقرآن كيف بكلام الباري سبحانه جل وعلا لايمكن أن يكون هناك كلمات ليس لها معنى _ الآن لو قابلتم شخص لو رأيتم شخص وأصبح يتكلم بحروف متجمعة لاتدل على أي معنى ماذا تقولون عن هذا الشخص ؟ مجنون . فكيف بشخص عاقل نحن ننزه العاقل عن أن يتكلم بلفظ مهمل فكيف بكلام الباري سبحانه جل وعلا إذا هذا دليل على أن القرآن لايوجد فيه لفظ ليس له معنى قال القرافي : " أما مالا معنى له أصلا فمنعه محل اتفاق " وقال ابن النجار : " وما قاله ظاهر" وقال ابن تيمية : " وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم بما لا معنى له " .

ب / هل في القرآن ما لايفهم أحد معناه _ يعني له معنى لكن لا يصل إليه أحد _

 واختلفت المذاهب هل يوجد في القرآن لفظ  له معنى لكن لايفهمه أحد ؟

  وسبب اختلافهم أمران : الأمر الأول : هل يجوز التكليف بما لايطاق أو لايجوز ؟ فالذين يقولون أنه يجوز التكليف بما لايطاق يقولون يمكن أن يوجد لفظ لا نفهم معناه . والذين قالوا لايجوز التكليف بما لايطاق قالوا كل الألفاظ لها معاني نعرفها هذا السبب الأول .

 السبب الثاني : وهو الأهم اختلافهم في تقرير مسائل الأسماء والصفات فقد لجأ كثير من الفرق إلى القول بأن في القرآن مالايفهم معناه إلتزاما لعقيدتهم التي تقول إن أسماء الله ومعاني صفاته غير معلومة عندنا وهم المفوضة فالمفوضة يقولون أسماء الله وصفاته لها معاني لكن لا نصل نحن إلى هذه المعاني فيقولون إذا يوجد في القرآن لفظ له معنى ولا نصل نحن إلى هذا المعنى .

 أما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون : إن أسماء الله وصفاته لها معنى والمعنى معلوم ولكن الكيفية هي المجهولة فأهل السنة يفوضون علم الكيفية ولايفوضون علم المعنى .

 إذا الصحيح بعد ماذكرنا السببين الصحيح هل يوجد في القرآن لفظ له معنى لانفهمه ولا نعرفه ؟ لا كل الألفاظ الموجودة في القرآن لها معاني وهذه المعاني نعرفها ونصل إليها والذي يدل على ذلك :

 أولا : أن القرآن كما سبق نزل بلغة العرب ولغة العرب ألفاظ لها معاني معلومة للمتكلمين ويجب أن يفسر كلام الله جل وعلا على حسب مانزل بلغة العرب مع إجراء والأخذ بما دلت عليه آيات الصفات من عدم مشابهة صفات الله لصفات خلقة كما في قوله : { لَيْسَ  كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11 والأخذ بالآثار الدالة على أن أمور الآخرة لاتتفق في الكيفيات مع أمور الدنيا فنفهم معاني مثلا صفات الجنة وفاكهة الجنة وغيرها لكن هل فاكهة الجنة في الحقيقة مثل فاكهة الدنيا ؟ الكيفية تختلف لكن المعنى معلوم .

 الدليل الثاني : على أنه لايوجد في القرآن لفظ لايفهم معناه أن الله أمر بتدبر القرآن ألم يأمر الله بتدبر القرآن ؟ هل خص شيئا من الأمر ؟ وقال لاتتدبروا هذا الأمر الله جل وعلا يقول : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82  . {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 . {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }ص29 . لاحظ أنه شمل جميع الآيات {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ }المؤمنون68 . إذا لايوجد في القرآن شيء لايمكن أن نتدبره والتدبر مبني على فهم المعنى ما لايفهم معناه لايمكن أن نتدبره لو جاءتكم الآن رسالة بلغة صينية وأخذها أحد الموجودين ولايفهم أحد من الموجودين لغة الصين فوقف بين يديكم يقرأ ويبكي ماذا تقولون عنه أحد أمرين إما مجنون أو أنه يمثل صحيح أو لا ؟ لأنه لايفهم هذه اللغة فكيف يتدبرها ويتأثر بها فإذا التدبر مبني على فهم المعنى .

 الدليل الثالث : إجماع العلماء على إمكانية معرفة معاني القرآن قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فعلم يقينا أن المسلمين متفقون على أن جميع القرآن مما يمكن العلماء معرفة معانيه  وعلم أن من قال إن من القرآن مالا يفهم أحد معناه ولايعرف معناه إلا الله فإنه مخالف لإجماع الأمة مع مخالفته للكتاب والسنة " كذلك علماء العقيدة بينوا هذا الأمر أنه لايوجد في القرآن لفظ لانفهم معناه يقول ابن عبد العز الحنفي : " ولايريد من وقف على قوله : ( إِلاَّ اللّهُ ) أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى " يعني يقول الذين قالوا { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } ويقفون هنا يقول التأويل عندهم ليس هو التفسير وإنما هو حقيقة مايؤول إليه الأمر قال ابن عبد العز : " فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاما لايعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول ويكون { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  } لاحظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } " الآن هل للراسخين في العلم ميزة إذا لم يفهموا المعنى فقط يقولون : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } أي إنسان يقول هذا الكلام أولا ؟ إذا قرئ القرآن الآن على أي شخص يقول : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } فما الميزة في تميز الراسخين في العلم لهذا القول يقول ابن أبي العز : " وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك " وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما : " أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله " ولقد صدق رضي الله عنه قال مجاهد : " عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها " قال : " وقد توارثت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لايعلم أحد تأويله إلا الله  " فإذا على هذا الكلام هل يوجد في القرآن لفظ ليس له معنى ؟ أو له معنى لا نعلمه ؟ لايوجد .

 أيضا الدليل الرابع : أن العلماء قد تكلموا في تفسير جميع القرآن ولم يتركوا لفظة ولم يفسروها .

جـ / هل في القرآن ما يخفى على بعض الناس دون الآخرين ؟ الجواب نعم يوجد في القرآن لفظ يخفى على بعض الناس معناه ولا يخفى على البعض الآخر وهذا يسمى المتشابه النسبي . وقد وقع هذا في عهد الصحابة رضي الله عنهم جاء عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه قال : " لما نزلت { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ } قال عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إلى الليل فلا يستبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال : ( إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) " . ألم يخفى هذا اللفظ على عدي رضي الله عنه إذا يوجد هذا في عهد الصحابة . وقال ابن عباس : " ماكنت أدري مامعنى { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } حتى أتاني أعرابيان يتخصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، والآخر يقول : " أنا ابتداأتها " إذا قد يخفى على بعض الناس ولاحظوا ابن عباس رضي الله عنه يقول : ماكنت أدري ولم يقل ماكنا كلنا ندري هو رضي الله عنه لم يكن يعرف هذه اللفظة حتى سمع شخصا يقولها . وأيضا ورد عنه قال : " ماكنت أدري ماقوله تعالى {  رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ } حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها تعالى أفاتحك "  أي أحاكمك . إذا يوجد هذا في عهد الصحابة ويوجد أيضا في لغة العرب ألفاظ  لايفهم معناها الجميع بل يفهمها بعض الناس دون الآخرين . ولذلك يقول ابن قتيبة : " إن العرب لاتستوي في المعرفة بجميع مافي القرآن من الغريب والمتشابه بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض " ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين إن في القرآن آيات لايعلم معناه ولا يفهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أهل العلم والإيمان جميعهم وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس وهذا لاريب فيه " وبهذا نكون انتهينا من أقسام أولا : هل في القرآن مالايعلم تفسيره إلا الله .

 ننتقل إلى ثانيا : هل في القرآن مالايعلم حقيقة معناه كيفيته إلا الله ؟ يوجد أو لايوجد ؟ يوجد . القرآن حقائق الألفاظ المذكورة فيه منها ماهو معلوم للناس ومنها ماهو مجهول لايصل الناس إليه يعني لما أقول لك مثلا  {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11 ) }النحل ألا تعرفون حقيقة المطر كيفية المطر تعرفونه أو لا ؟ ألا تعرفون النبات والشجر والزيتون والنخيل والأعناب ؟ حقائقها معلومة عندنا فإذا هناك حقائق نعرفها وهناك حقائق لا يمكن أن نصل إليها وقد دل القرآن على ذلك مثل قوله جل وعلا : {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }السجدة17 . وقال تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ}الأعراف187 . {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ }الأحزاب63 . {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ( 42 ) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ( 43 ) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44 ) }النازعات . إذا هذه الآيات تدل على أن هناك حقائق أمور لانصل إليها وقد دل على ذلك أيضا حديثا قدسي ( أعددت لعبادي الصالحين مالاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) قال ابن عباس : " ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء " إذا بهذا نكون انتهينا من هذه المسألة وهي هل في القرآن مالايعلمه إلا الله أو لا ؟ قلنا من ناحية التفسير لايوجد في القرآن لفظ لايعلم معناه إلا الله بل يوجد ألفاظ يعلمها بعض الناس دون الآخرين وأما حقائق الأشياء فيوجد أشياء لايعلمها إلا الله . نقف عند هذا الحد ونكمل إن شاء الله غدا باقي المسائل .

تم بحمد الله وتوفيقه

سائلين المولى عزوجل الإخلاص في القول والعمل

 

 

 

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
اترك تعليق
اسمك:
التعليق:
صورة تحقق
غير مفهوم؟ اضغط للتغيير
لا توجد تعليقات حالياً .

كيف ترى الموقع بحلته الجديدة ؟

برجاء الإنتظار ...
أدخل بريدك الإلكتروني

Fahad_Alwahbi@

   
جميع الحقوق محفوظة الدكتور فهد الوهبي