الصفحة الرئيسية الأخبار السيرة الذاتية معالم المدينة
 
واجب تدريب على التدبر   مقرر قراءة في مصادر التفسير   الثبيتي ... وإيمانيات الفجر ..!   الاستنباط من القرآن الكريم   الدكتور فهد الوهبي يحصل على الشهادة الاحترافية في التحكيم من مركز التحكيم التجاري   تعيين الدكتور فهد الوهبي عضواً في اللجنة العلمية لمركز بحوث ودراسات المدينة   الدكتور فهد الوهبي ضيف حلقة نقاش بعنوان: (المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير)   الدكتور فهد الوهبي ضيف لقاء أهل التفسير بعنوان: (حقول الدراسات القرآنية)   تحميل كتاب (المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير)   الأحساء: الدكتور فهد يلقي دورة بعنوان: (اختيار الموضوع وصياغة العنوان في حقول الدراسات القرآنية)  
الدكتور فهد الوهبي يحصل على الشهادة الاحترافية في التحكيم من مركز التحكيم التجاري
قريباً برنامج (حديث القرآن) مع الدكتور فهد الوهبي
داخل الحرم
على جبل الرماة أثناء تصوير لقناة الشارقة
1,351,030
  1. الظاهر والمؤول دراسة تحليلية
  2. الظاهر والمؤول دراسة تحليلية (3)

الظاهر والمؤول دراسة تحليلية (3)

أضيف بتاريخ : السبت, 20 ديسمبر 2014  |   عدد المشاهدات : 1715

 

 

 

الظاهر والمؤول

الدرس الثالث والأخير

 

                                    

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على خاتم النبيين وإمام المرسلين سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأتم التسليم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما نافعا وعملا صالحا يا أرحم الراحمين أما بــعــــد :

نختم في هذا الدرس الكلام حول موضوع الظاهر والمؤول في القرآن الكريم "دراسة تحليلية"

والحقيقة أن مسائل هذا العلم مسائل كثيرة جداً .

سبق الكلام حول تعريف الظاهر وتعريف المؤول وسبق أيضا الكلام حول حكم الظاهر والعمل به فيجب العمل بالظاهر حتى يرد الدليل الذي يدل على التأويل .

مسألتان  نختم بها الموضوع :

1_ المسألة الأولى : شروط التأويل .

سبق أن ذكرنا أن الأصل حمل الكلام على المعنى الظاهر ,و إجراء  الكلام على ظاهره لا يحتاج إلى دليل لأنه الأصل كما يقول الشاطبي رحمه الله : " كون الظاهر هو المفهوم العربي مجرداً لا إشكال فيه" ويقول : " لأن الموالف والمخالف اتفقوا على أنه منزل بلسان عربي مبين قال تعالى : {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ  } . وقد علم أنهم لم يقولوا شيئا من ذلك_يعني لم يقولوا هو أعجمي_فدل على أنه عندهم عربي ,وإذا ثبت هذا فقد كانوا فهموا معنى  ألفاظه من حيث هو عربي فقط  _هذا كلام الشاطبي_ أي إذا كانوا فهموا أن القرآن عربي ولم يقولوا إنه كتاب أعجمي  فقد فهموه على مقتضى كلام العرب _ فهموا المفردات بحسب ما يظهر من كلام العرب _ قـــال: " وإن لم يتفقوا على فهم المراد منه فلا يشترط في ظاهره زيادة على الجريان على اللسان العربي " .

إذاً لا يشترط حتى نفهم القرآن على لغة العرب لا نحتاج إلى دليل يثبت أن هذه الكلمة تحمل على ظاهرها لأن هذا الأصل .

أما المصير إلى التأويل فهو الذي يحتاج إلى دليل ولا يصار إليه إلا للضرورة  وقد أشار العلماء إلى شروط التأويل:

أهم شروط التأويل شرطان :

الشرط الأول : موافقة المعنى المؤول لوضع اللغة أو عرف الاستعمال أو عادة الشارع . قال الزركشي : " وكل تأويل خرج عن هذه الثلاثة فباطل "

مثال التأويل الذي يخالف هذا الشرط : تأويلات الباطنية لألفاظ القرآن الكريم وهي تأويلات كثيرة خارجة عن اللغة وعن عرف الاستعمال وعن عادة الشارع .

ومن أمثلة تلك التأويلات:

 

 

 

يقولون في قوله تعالى : {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ } قالوا إنه الإمام ورث النبي علمه_ يقولون الإمام المنتظر ورث النبي علمه_يعني الإمام المنتظر أو إمامهم ورث العلم من النبي _يعني ورث سليمان داود_قالوا المقصود الإمام أنه ورث الأنبياء أو النبي ورث منهم العلم وهذا تأويل باطل .

ولماذا هو باطل : هل تدل اللغة على أن سليمان عليه السلام يقصد بهذا الاسم  سليمان الإمام إمام الباطنية؟ لا . هل يقصد بداود إمام الباطنية؟ أو أنه لفظ أو اسم أطلق على النبي الكريم عليه السلام ؟ لا. هذا من ناحية اللغة .

هل عرف الشارع يدل على ما قالوا ؟ لا . إذاً هذا تأويل باطل .

أيضا قالوا الجنابة التي وردت في القرآن لفظ الجنابة:قالوا هي مبادرة المستجيب بإفشاء السر قبل أن ينال رتبة الاستحقاق _ يعني قالوا إفشاء السر للمستجيب قبل أن يبلغ هذه المرتبة هذه هي الجنابة _ { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً  } قالوا الجنابة هي أن يبلغ المستجيب السر "سر الباطنية"قبل أن يبلغ مرتبة استحقاق هذا السر ، إذا كانت هذه الجنابة . ما هو الغسل؟ قالوا الغسل:هو تجديد العهد لمن فعل ذلك . قالوا أيضا الطهور : هو التبرؤ والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام ، وقالوا التيمم : هو الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام . والصيام : قالوا الصيام هو الإمساك عن كشف السر . نار إبراهيم : قالوا نار إبراهيم هي غضب النمروز لا النار الحقيقية . وقالوا تضليل الغمام على موسى : قالوا نصب موسى الإمام  لإرشادهم . وقالوا الجراد والقمل والضفادع : هي سؤالات موسى والتزاماته التي تسلطت عليهم . وقالوا الجن الذين ملكهم سليمان : هم باطنية ذلك الزمان . والشياطين : قالوا هم الظاهرية  الذين كلفوا الأعمال الشاقة _ يعني الناس الذين يعبدون ويعملون هؤلاء هم الشياطين _ .

كل القرآن محرف عندهم ومؤول بهذه الطريقة . هل العرب عندما جاءهم القرآن وأنزل عليهم وسمعوا هذه الألفاظ  هل يمكن أن يفهموا هذا الكلام ؟ هل العرب يفهموا ما قاله الباطنية في هذا التأويل؟ هل يصل لأذهانهم هذا الفهم ؟ لا . هل تدل الشريعة على هذا المعنى ؟ لا .

هذه التأويلات نقلها الشاطبي رحمه الله في الموافقات عن بعض الباطنية ثم قال : " إلى سائر ما نقل من خباطهم الذي هو عين الخبال  وضحكة السامع نعوذ بالله من الخذلان " ثم قال الشاطبي قال القتبي : " وكان بعض أهل الأدب يقول ما أشبه تفسير الروافض للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر فإنه قال ذات يوم _ يعني هذا يشبه تفسيرات الرافضة برجل من أهل مكة يفسر الشعر _ وهذا الرجل الذي في مكة يقول : ما سمعت بأكذب من بني تميم  زعموا أن قول القائل:

بيت زرارة محتب بفنائه *****و مجاشع و أبو الفوارس نهشل

هذا رجل من بني تميم يقول هذا البيت _ يعني نحن عندنا هؤلاء زرارة و مجاشع وأبو الفوارس وغيرهم  _ قال هذا الذي من مكة إنه منهم _ يعني هذا القائل وهذه الأسماء من  مكة وليست من بني تميم _  فقيل له ما تقول أنت؟ يعني كيف تفسر البيت؟ إذا كنت تقول هذه الأسماء في مكة . قال أما البيت فهو بيت الله .

 

 _والشاعر لا يقصد بيت الله الشاعر يقصد بيت عادي_ والرجل الذي من أهل مكة قال البيت بيت الله . قال : و زرارة الحج قيل له فمجاشع:قال :زمزم جشعت الماء .قيل فأبو الفوارس :قال أبو قبيس . قيل فنهشل :قال:نهشل أشده_ يعني أشد الكلام وصمت ساعة يعني يفكر يبحث عن نهشل _ ثم قال:نهشل هو مصباح الكعبة قال لأنه طويل وأسود فذلك نهشل . نلاحظ هنا أنه فسر البيت بحسب ما يريد فالقتبي يقول تفسيرات الرافضة مثل تفسير هذا الرجل من أهل مكة لهذا البيت .

 الشرط الثاني : وهو أن يدل دليل على إرادة المعنى المؤول _ يعني إذا أثبتنا في الشرط الأول أن المعنى المؤول يدل عليه اللغة أو كلام الشارع _ يبقى دليل يأتي ويقول مالذي يصرف الكلام عن ظاهره  إلى هذا المعنى ؟ الآن الآية قد تحتمل معنين أحدهما ظاهر والثاني خفي _ المؤول _ فإذا جئت وقلت:اللغة تحتمل المعنيين  فهذا الشرط الأول أو قلت كلام الشارع يحتمل المعنيين فالشرط الأول تحقق مثل الصلاة تحتمل الدعاء وتحتمل الصلاة المعروفة يبقى الشرط الثاني أن تأتي بدليل يدل على إرادة المعنى الخفي الثاني وتقدمه على المعنى الظاهر الأول .

قال ابن قدامة : " وكل متأول يحتاج إلى بيان احتمال اللفظ لما حمله إليه_هذا الشرط الأول_ " ثم إلى دليل صارف له " _هذا الشرط الثاني_ .

وقال ابن النجار: " وإن تعذر الحمل لعدم الدليل رد التأويل وجوبا " _حتى لو احتمله كلام الشارع أو اللغة أو عرف الاستعمال _ .

ما هو الدليل : الدليل قد تكون قرينة من آية أو حديث سواء كانت القرينة متصلة بنفس النص أو منفصلة ، أو يكون الدليل نصا آخر من القرآن أو من السنة ليست قرينة ، أو يكون قياسا راجحا .

_ يعني سواء كانت قرينة جاءت في النص أو كان نصا آخر أو كان قياس  بشرط أن يكون القياس راجحا _ .

مثال : وجود الدليل الذي يدل على التأويل ؟ مناظرة حدثت بين الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهم الله : قال الإمام أحمد كلمت الشافعي في هذه المسألة " أن الواهب ليس له الرجوع فيما وهب"_إذا وهبت شخص و أهديته هدية هل يجوز أن ترجع في هديتك؟ أو لا يجوز؟ رأي الإمام أحمد أنه لا يجوز الرجوع في الهبة ورأي الشافعي أنه يجوز فقال الإمام أحمد كلمته لقوله صلى الله عليه وسلم :"العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" فقال الشافعي وكان يرى الجواز:ليس بمحرم على الكلب أن يعود في قيئه_ الشافعي يقول : أليس هذا تمثيل أن الذي يعود في هبته أليس هو كالكلب الذي يعود _ من تمام التمثيل أن يكون الحكم واحداً هل يحرم على الكلب أن يعود في قيئه قال إذاً لا يحرم على العائد في هبته أن يعود في هبته فقلت له_يعني الإمام أحمد_:فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس لنا مثل السوء ) _هذه قرينة_ فسكت _ يعني الإمام الشافعي _ إذاً الإمام الشافعي تمسك بالظاهر  لأن التمثيل يعني التطابق _تطابق المشبه بالمشبه به_فإذا كان الكلب لا يحرم عليه فكذلك العائد في هبته   لا يحرم عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"العائد في هبته كالكلب" هذا الظاهر .

 

 

ويحتمل أن يحرم إذا وجدت قرينة  والقرينة هنا هي ما جاء في بداية الحديث لأن نص الحديث في بدايته يقول:"ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقئ ثم يعود في قيئه" إذاً لماذا صدر النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله:"ليس لنا مثل السوء" ليدل على أن هذا مثل سوء لا ينبغي أن نفعله .

إذاً ثبت أن العود في الهبة مثل سوء ,ومثل السوء نفاه الشارع قال: "ليس لنا مثل السوء" فيحرم علينا هذا الفعل . إذاً هذه قرينة متصلة دلت على التأويل .

مثال آخر : قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ  } الميتة اسم  يطلق ويراد به : الحيوان الذي مات حتف أنفه وهو يشمل اللحم ويشمل الجلد كله يسمى ميتة سواء دبغ أو لم يدبغ تسمى ميتة . وظاهر النص أن الميتة محرمه مطلقا جلدها ولحمها دبغت أو لم تدبغ ، ويحتمل أن بعض الأجزاء لا تحرم إذا وجد دليل وقد جاء دليل يقوي هذا الاحتمال ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"أيما إيهاب دبغ فقد طهر" فهذا عموم يتناول إيهاب الميتة _ الذي هو الآية _ والحديث يقوي احتمال عدم تحريم الجلد إذا دبغ فنحن نقول هنا هذا النص يؤول إلى عدم تحريم الجلد إذا دبغ .

مثال : للتأويل الذي لا ينطبق على هذا الشرط : قوله تعالى :{ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } هذا في سليمان عليه السلام ما هو المعنى الظاهر من قوله جل وعلا ( الْجِنِّ ) من المقصود بالجن؟ العالم المعروف العالم الغيبي الجن المخلوقين من نار قال بعض المفسرين : هم ناس من بني آدم أقوياء شبهوا بهم في قواهم . يحتمل أحيانا أنت تقول فلان جني لكثرة حركته ونشاطه وقوته مثلا فالمفسر يقول أن المقصود ليس الجن حقيقة وإنما معنى آخر وهم ناس من بني آدم أشداء أقوياء أطلق عليهم لفظ الجن لمشاركتهم الجن في هذه الصفة هل يوجد دليل يدل على هذا التأويل ؟ لا يوجد دليل . إذاً يبقى على الظاهر وهذا يريح المفسر  أن يجري النصوص على ظاهرها لأن هذا المعنى هو الذي يفهمه العرب أما إرادة غير الظاهر فتحتاج إلى دليل قال أبو حيان صاحب البحر المحيط : "وهذا تأويل فاسد وخروج بالجملة عما يقوله أهل التفسير في الآية وتعجيز للقدرة الإلهية نعوذ بالله من ذلك "

إذاً رأي الإمام أبي حيان حول هذا التفسير أنه فاسد لأنه لا يوجد دليل ويقول خروج عما يقوله أهل التفسير أي يخالف  إجماع المفسرين .

المسألة الثانية وهي : ما يدخله التأويل .

ما لذي يدخله التأويل ؟ ما هي النصوص التي يجوز أن نؤولها وما هي النصوص التي لا يجوز أن نؤولها ؟ هذه مسألة من المسائل المهمة لأنه لابد للمفسر أن يعرف ما هي النصوص التي يمكن لها أن تؤول؟ , هل كل نصوص القرآن والسنة يجوز تأويلها؟ لا .

 أشار بعض العلماء إلى هذه المسألة وقالوا أن ما يدخله التأويل قسمان :

القسم الأول : الفروع ويقصدون بها الأحكام الفقهية قال الزركشي : _ في دخول التأويل للفقه والفروع  _ " وهو محل وفاق " والأمثلة كثيرة في دخول التأويل للفروع , مثل ما سبق معنا في {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ  } وغيرها .

 

 

القسم الثاني : قال العلماء الأصول ويقصدون بالأصول العقائد وأصول الديانات وصفات الباري سبحانه وهذا محل خلاف .

ذكر الزركشي في البحر المحيط أقوالا في هذه المسألة :

القول الأول : قال : لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها , ولا يؤول شيئا منها _ يعني الصفات وأصول الديانات والعقائد _ هذه تبقى على ظاهرها وعزى هذا القول إلى المشبهة .

هل الذي يثبت النصوص "نصوص العقائد والصفات" على ظاهرها هل هو مشبه ؟ هذا القول هو قول أهل السنة ,لكن الذين يؤولون يتهمون أهل السنة بالتشبيه والتجسيم  يقولون أنتم مجسمة ومشبهه  لأنكم تقولون إن الله جل وعلا يستوي على عرشه  ويسمع ويحب ويكره ويغضب وهذا تشبيه لله بالمخلوقين هذا ما يقوله المؤولة  أما أهل السنة فيقولون نحن نثبت لله جل وعلا ذاتاً لا تماثل ذوات المخلوقين ويلزم من ذلك أن نثبت له صفاتاً لا تماثل صفات المخلوقين على حد قوله جل وعلا: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11 . وقد أشار كثير من العلماء إلى قواعد الأسماء والصفات منهم شيخ الإسلام :ابن تيميه في التدمرية ومن آخر الكتب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله  في "القواعد المثلى في أسماء الله وصفاته الحسنى" وهو كتاب قيم جدا من أفضل ما كتب في قواعد الأسماء والصفات في العصر الحديث .

إذاً هذا العزو لا يصح أن نقول من يثبت هو مشبه فإن المثبتة الذين يثبتون الأسماء والصفات هم أهل السنة والجماعة وهو يقولون أيضا إن ظواهر الآيات لا يدل على التشبيه  لاعتقادنا أن له جل وعلا  ذاتا لا تماثل ذوات المخلوقين .

القول الثاني : للزركشي قال :  أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه _يعني لا ندخل في هذا المجال_مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل ونقول الله لا يشبهه شيء ولا نعطل ماذكر من الصفات نقول سميع ولا نعرف معناها وبصير ولا نعرف معناه مثل قول الواقفية والمفوضة قالوا لقوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } تكلمنا عن قوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ }[1] في دروس المحكم والمتشابه وذكرنا أن التأويل هنا إما أن يراد به التفسير فيكون الوقف على قوله {  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } أي يعلمون تأويله أيضا لأن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول : " أنا ممن يعلم تأويله " وهل يقصد أنه يعلم كيفيات الصفات ؟ لا . بل يعلم تفسير الآيات سواء كانت آيات الصفات أو آيات الفروع وإما أن يحتمل التـأويل حقيقة ما يؤول إليه الأمر في هذه الآية يعني { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } _يعني حقائق الأشياء ( إِلاَّ اللّهُ ) وهنا نقف على قوله ( إِلاَّ اللّهُ ) فلا يعلم حقائق الأشياء لا يعلم حقائق الصفات وحقائق متى تقوم الساعة وحقائق أشراط الساعة  إلا الله جل وعلا فليس المراد بهذه الآية التفسير إذا وقفنا على قوله ( إِلاَّ اللّهُ ) يعني إذا وقفنا على قوله {  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } إذا وقفنا هنا المراد من التأويل حقائق الأشياء  ولا تدخل الألفاظ ألفاظ الصفات وإنما تدخل حقائقها فحقائق الصفات لا يعلمها إلا الله وإذا وقفنا على الراسخين في العلم  يكون الألفاظ داخله في التأويل أي أن الراسخين يعلمون الألفاظ .

 

 هل الآن استدلال الذين قالوا نحن نقف لأن الله قال {  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } نقف في تفسير اللفظ هل هذا استدلال صحيح ؟ لا . لأنه إذا وقفنا ليس المقصود بالألفاظ  وإنما المقصود الحقائق .

نقل الزركشي عن ابن برهان قوله وهذا قول السلف فهل هذا قول السلف؟ إنهم يقولون لها تأويل ولكن لا ندخل فيه؟ لا . فالسلف مؤمنون بصفات الله جل وعلا من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل وهم مع ذلك يفسرون الألفاظ  ويفهمونها مع اعتقاد منافاة مشابهة صفات الله تعالى لصفات خلقه وأما تأويل الصفات  فهو تحريف للمعنى الظاهر إلى المعنى الخفي المؤول وسبب هذا التأويل اعتقادهم المشابهة .

المذهب الثالث : الذي ذكره:مذهب المؤولة الذين يؤولون الصفات مثل المعتزلة وغيرهم .

الزركشي نقل عن ابن برهان قوله قال: والأول باطل الذي هو مذهب السلف والآخران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة رضي الله عنها القول الثاني لأنها سئلت عن الاستواء فقالت : " الاستواء معلوم والكيف مجهول  والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالت به أم سلمة إلا أنه زاد فيه أن من عاد إلى هذا السؤال قال: " اضرب عنقه " _ هو يقول هذا المنقول عن الصحابة: عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها  و عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله يقول هذا هو القول الثاني أنهم يؤمنون أن لها تأويلا لكن لا نخوض فيه مثل الواقفة والمفوضة _ ما مراد أم سلمة رضي الله عنها والإمام مالك عندما نفوا قالوا والكيف مجهول ؟هنا هل يريدون المعاني؟  أو يريدون الكيفيات؟ هم يريدون الكيفيات كما هو واضح وظاهر من كلامهم فأم سلمة تقول الاستواء معلوم _ يعني معناه معلوم _ وكذلك الإمام مالك قال الاستواء معلوم لكن المجهول هو الكيف وليس المعنى فنحن نقول معلومة هذه الصفة ومعناها معلوم لكن كيفيتها هي المجهولة وهذا هو مذهب السلف يفوضون الكيف ولا يفوضون المعنى .

إذاً نلاحظ أن نقل القول الثاني عن السلف غير صحيح .

ونقل أيضا ابن برهان قال:نقل التأويل عن علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم قال : " وهو المختار عندنا " _ يعني التأويل وهذه قاعدة _ .

 المؤولة دائما يثبتون التأويل ويتهمون أهل السنة بالتشبيه والتجسيم  ويفسرون المنقول عن الصحابة والتابعين بأنهم مفوضة أو مؤوله وليسوا مثبتين .

ولذلك ينبغي لطالب العلم : أن يؤصل نفسه من كتب السلف قبل أن يقرأ في كتب المؤولة أو المفوضة ، وكذلك يتضح لنا من هذا الكلام أن هذا الموضوع الظاهر المؤول له صلة كبيرة بعلم الاعتقاد لأن القارئ لكلام ابن برهان والزركشي كما نقله في البحر المحيط يعتقد أن كلامهم صحيح وأن هذا هو المنقول عن الصحابة بينما لو ترجع لكتب الاعتقاد تجد تفصيل كلام الصحابة أنهم هم الذين أثبتوا الصفات لله جل وعلا  وهكذا التابعون ومن تبعهم من العلماء .

إذاً الصحيح في هذه المسألة كما ذكرنا هو القول بأن التأويل لا مدخل له في صفات الله  جل وعلا بل تجرى على ظاهرها الذي ليس فيه مشابهه مع المخلوقين .

 

  سبب الخلاف في هذا المسألة :

السبب الأول : قالوا هل يجوز أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه  فالذين قالوا نعم يجوز أن يقع في القرآن شيء لا نعلم معناه  قالوا نصوص الصفات لا نعلم معناها والذين قالوا لا يجوز أن يكون في القرآن شيء لا نعلم معناه قالوا نؤول الصفات حتى نعلم معناها لأن معناها الظاهر قالوا ليس بصواب لأن فيه مشابهه حسب اعتقادهم ، والصحيح كما قلنا في المحكم والمتشابه أنه لا يوجد في القرآن لفظ ليس له معنى , وأن جميع الألفاظ في القرآن معلومة ومفسرة  حتى صفات الله جل وعلا  مفسرة من حيث المعنى  وأما من حيث الكيف فهي مجهولة .

السبب الثاني : اختلافهم في فهم ظواهر الصفات فمن فهم من ظواهر الصفات  المشابهة أول الصفات ومن فهم أنها لا تدل على المشابهة  وأنها تليق بالله فقد آمن بها وفوض الكيف وهو السلف رحمهم الله وهذا هو المنقول عن السلف اعتقاد ظواهر نصوص  الصفات .

 بعض أقوال السلف في هذا الموضوع :

يقول الإمام محمد ابن إسحاق ابن خزيمة توفي سنه 311هـ  يقول إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله نقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن من لدن الصحابة  والتابعين إلى عصرتا هذا على سبيل الصفات لله والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله تعالى في تنزيله ونبيه صلى الله عليه وسلم مع  اجتناب التأويل والجحود وترك التمثيل والتكييف .

وقال القاضي أبو يعلى المتوفى سنة458 هـ  قال ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها  عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق لما فيه من إزالة التشبيه ودفع الشبهة بل قد روي عنهم ما دل على إبطاله _ يعني إبطال التأويل _ .

وقال الإمام أبو عمر يوسف ابن عبد البر المالكي  المتوفى سنة 463هـ قال أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة و الإيمان بها وحملها على الحقيقة  لا على المجاز _ والحقيقة هو الظاهر  والمجاز هو المؤول _ إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة  _ والكلام في ولا يحدون فيه صفة محصورة  إن أراد في هذا الكلام أنهم لا يشبهون فهو صحيح  فالسلف لا يشبهون الصفات  بصفات الخلق _ .

وقال الإمام ابن قدامة  المقدسي المتوفى سنة 620هـ  قال ومذهب السلف رحمة الله عليهم الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة عليها ولا نقص منها _ إذاً هذا هو مذهب السلف _ ، وقال ابن قدامة وأما الإجماع فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرناه عنهم وكذلك أهل كل عصر بعدهم ولم ينقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة .

 

 

 

وقال ابن تيمية : إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها _ يعني لا يوجد  خلاف بينهم في تفسيرها_ وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الأحاديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاه المفهوم المعروف _ الذي هو الظاهر _ بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله .

 _والأقوال في ذلك كثيرة ومحلها كتب الاعتقاد _ . وإلى هنا نكون قد انتهينا من الكلام على المسألة باختصار شديد _

أسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في الدين وأن يوفقنا جميعا لفهم كتابه الكريم وأن يسلك بنا سبيل الصالحين إنه جواد كريم .

 

أهم المراجع في موضوع الظاهر والمؤول :

من كتب علوم القرآن :

كتاب الإتقان للسيوطي .

كتاب البرهان للزركشي .

كتاب تفسير النصوص للدكتور محمد أديب الصالح .

كتاب المناهج الأصولية  للدكتور محمد الدر يني .

أما كتب الأصول :

شرح الكوكب المنير لابن النجار .

شرح الكوكب الساطع للسيوطي .

مذكرة الشيخ الشنقيطي  رحمة الله  .

بعض الرسائل العلمية ( مخطوطة لم تطبع )

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

 

 

 

 

 

 



[1] : قد تكلم فضيلة الشيخ الدكتور : فهد الوهبي عن هذه الآية بالتفصيل في دورة ( دروس المحكم والمتشابه ) فلمن أراد الزيادة فبإمكانه الرجوع لها .

 


  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
اترك تعليق
اسمك:
التعليق:
صورة تحقق
غير مفهوم؟ اضغط للتغيير
لا توجد تعليقات حالياً .

كيف ترى الموقع بحلته الجديدة ؟

برجاء الإنتظار ...
أدخل بريدك الإلكتروني

Fahad_Alwahbi@

   
جميع الحقوق محفوظة الدكتور فهد الوهبي