الهروب من الجامعة (3)

أضيف بتاريخ : الإثنين, 27 يناير 2014  |   عدد المشاهدات : 2580

الهروب من الجامعة

(3)

هناك في غرب المدينة حيث مجرى وادي العقيق، وعلى ضفاف الوادي جلس العلماء في اجتماعهم الشهري الذي يناقشون فيه مسائل العلم وأبرز المستجدات في ساحة الدعوة، كان الاجتماع مزيناً بكبار علماء المدينة، منهم عالم الحديث المشهور الذي يضرب إليه الطلاب أكباد الإبل، اجتماع يلفه الود والتعاون ومناقشة هموم الدعوة.

كانت أحداث الخليج تطل برأسها وتلقي بظلالها على المنطقة، الجيوش العراقية تجتاح الكويت، والأزمة بدأت تتصاعد، انقدحت شرارة النقاش في موضوع الساعة.

- يظهر لي أن أمريكا هي المتسبب الأول في الأحداث. 

هكذا بدأ النقاش من أشد الحاضرين حماسة وأقلهم شعبية الشيخ دخيل.

- هذه الأقدار تطوي في جنباتها خيراً كثيراً وستعود الأمة إلى ربها في الأزمات.

رد عليه عالم الحديث الوقور.

- لكن يا شيخنا لابد من الانتباه إلى المخططات الغربية، نحن مستهدفون في ديننا وأمننا وبلدنا .

كان أصغر الموجودين سناً وأمين الاجتماع الشهري، مشغولاً بإعداد الضيافة اللازمة، لم يستمع إلى الحوار الذي بدأ قبل جلوسه بقليل، بدأ حديثه معهم فقال:

- وصل والحمد لله اليوم أكثر من 10000 شريط للشيخ سليمان وسنوزعها على طلاب الجامعة الأسبوع القادم .

- رد الشيخ دخيل : 10000 شريط!. نحن نقوم بعمل الواجب هنا ونلقي المحاضرات، فلم كل هذا العدد.

- هذه تبرعات من التجار لأهل المدينة. 

- نعم، ولكن لم لا يتبرعوا لأشرطتنا فنحن لا يوزع منها إلا 100 شريط، ولا يحضر لنا إلا القليل، نريد أن نكون مثل هؤلاء لننشر الدعوة والمنهج الصحيح.

- كلكم على خير يا شيخ دخيل، ولا تدري لعل الشهرة تكون فتنة، والمهم هو القبول عند الله.

- نعم ، ولكن نحن علماء المدينة مهتمون بالدعوة والحديث، لابد من نشر حديثنا للناس.

تدخل هنا الشيخ الوقور وكأنما ينظر إلى المستقبل القريب: 

- يا شيخ دخيل القبول من الله ، والواجب على طلاب العلم إصلاح أنفسهم أولاً قبل غيرهم، لتلتحم جماعتهم، وتأتلف قلوبهم، والمهم هو اجتماع الكلمة .

امتعض الشيخ دخيل قليلاً ثم قال:

- يا شيخنا الاجتماع ينبغي أن يكون على المنهج الحق، ولنا آراء لابد من طرحها، نحن اتباع السلف، فلم لا ننشر حديثنا للناس!.

- لم يمنعك أحد من نشر حديثك ولكن تذكر أن القلوب إذا صلحت ، ستجتمع الكلمة على الحق.

هكذا تحور الحديث عن الأمر العام إلى قضية شخصية ، تخص الشيخ دخيل ، وعدم انتشار أشرطته بين الناس. 
 

مرتْ الليلةُ كغيرها في أجواء ربيعية مدينية رائعة، زينها سطوع القمر على وادي العقيق الذي كان يجري يجر معه ذكريات السنين، يفوح منه عبق الماضي وقصائد سكانه وأناشيد أصحاب القصور المتربعة عليه، حيث كان عروة بن الزبير يتجول هنا، وحيث كانت بئره زاداً للمسافرين إلى مكة البيت الحرام، ذكريات يبعث بها جمال هذا الوادي، تفوح من قصر سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان حيث كان ينافس قصرُه قصرَ عروة بين الزبير، أطلالٌ تحكي جمال المكان، وتنافس الكرام. 

كانت الليلة نسمة من نسمات المدينة الرقيقة تلامس تلك الأجساد المجتمعة هنا، لتشعرهم بصفاء المدينة وأهلها، انطلقت قصائد الحضور تستدعي تاريخ العقيق وواديه:

 

ألا قل لسكّان وادي العقيق     هنيئاً لكم في الجنان الخلود 

أفيضوا علينا من الماء فيضا    فنحن عِطاشٌ وأنتم وُرودُ

 

ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... قباءٌ وهل زال العقيق وحاضره؟

وهل برحت بطحاء قبر محمدٍ ... أراهط غرٌ من قريشٍ تباكره

لهم منتهى حبي وصفو مودتي ... ومحض الهوى مني وللناس سائره

 

مررنا بأكناف العقيق فأعشبت ... أباطح من أجفاننا ومسايل

وكادت تناجينا الديار صبابة ... وتبكي كما نبكي عليها المنازل

 

فيا أخويّ كفّا عن عتابي ... فلست بسامع أبداً عتابا

تذكرت العقيق فسال دمعي ... عقيقاً من تذكره مذايا

أقول لنسمة مرّت صباحاً ... يعطّر عرفها القفر اليبابا

ألا يا هذه كوني رسولي ... وكوني إن رجعت لي الجوابا

نشدتك بلّغي صحبي سلامي ... إذا جئت المعاهد والقبابا

جميع الحقوق محفوظة الدكتور فهد الوهبي